« المقابلة | أبرز المقاطع في المقابلات
مقابلة مع
لما لا تخبرنا عن الخلفية التي جئت منها وكل ما له علاقة بما تفعله الآن؟
ولدت في حيفا، ونشأت في أسرة تتكلم الألمانية. هاجر والداي من ألمانيا في عام 1933. في سن السادسة عشر التحقت بمدرسة ثانوية زراعية ثم انضممت إلى مستوطنةتعاونية (كيبوتس). كنت عضواً في المستوطنةالتعاونيةلمدة خمس و عشرون عاماً، كنت مسؤولاً خلالها عن أشجار الفاكهة وعملت في التعليم كما كنت سكرتير المستوطنة. وبعد حرب الأيام الستة بدأت بدراسة علم النفس. في الحقيقة أرى أن هذا كان نتيجة أزمتي حرب عام 1967 وحرب يوم الغفران. في ذلك الوقت بدأت اهتم بالعمل في مجال علم النفس، كمعالج، مع أسر الناجين من النازية (الهولوكوست) وكان بحثي متركزاً في هذا المجال. وعملت في الجيش كأخصائي نفسي مدة عامٍ واحدٍ سنة 1975 بعد حرب عام 1973.
في عام 1985 أطلقت مشروعاً بحثياً رائداً في ألمانيا حيث أجريت مقابلات مع أبناء مرتكبي الجرائم النازية. عملت في هذا المشروع لأكثر من ثلاث سنوات، وقابلت قرابة 90 شخصاً. كانت نتيجة مقابلاتي أن تشكّلت مجموعة ممن أجريت معهم المقابلات. كانوا حوالي اثني عشرة شخصاً وكانوا يلتقون كمجموعة مساعدة ذاتية لأكثر من أربع سنوات، من عام 1988 إلى 1992. في عام 1992 ,ولا اعتقد أنّه كانت لديَّ الجرأة قبل ذلك, سألتهم إن كانوا مستعدين للإلتقاء بمجموعة من أبناء الناجين من النازية. وعندما أجابوا بالإيجاب اقترحت الأمر على بعض من طلابي في بئر السبع وبعض الزملاء من بوسطن ونيويورك. هذه المجموعة، التي كانت تدعى بـِ "التأمل والثقة"، بدأت بالإلتقاء في حزيران 1992 وتلتقي سنوياً منذ ذلك الوقت. في 1998، أتيت بأخصائيين ممارسين من مناطق صراع أخرى إلى المجموعة. ضمَّ ذلك أشخاصاً من إيرلندا الشمالية، جنوب إفريقيا، فلسطينيين وإسرائيليين لفحص ما إذا كان ما قامت به هذه المجموعة له علاقة بالصراعات الحالية. كنا نعلم أن الأوضاع مختلفة جداً، لكننا أردنا ان نرى ما إذا كان هناك صلةٌ ما. خاصةً أننا كنا قد طوّرنا أسلوباً لسرد القصص الشخصية وشعرنا بأنه قد يكون ذا فائدة.
بعد اتفاقية أوسلو بدأت أبحث عن زملاءٍ فلسطينيين للعمل معهم. شعرت أنه بالإمكان القيام بأبحاثٍ مشتركة بعد أن أصبح هناك اعترافٌ مشتركٌ بين الأطراف. عندئذٍ التقيت للمرة الأولى بأيليا عواد، وهو أخصائي نفسي من بيت ساحور ويقيم الأن قرب بوسطن. التقيت بعدها بالبروفسور سامي عدوان من جامعة بيت لحم. في البداية قمنا ببحثٍ أنشأه الأوروبيون حول الشباب والتاريخ في سبع وعشرين بلداً. شاركنا في هذا البحث وأخذنا نعرف بعضنا البعض فقررنا الاستمرار في القيام بالأبحاث معاً. أتينا بمجموعة من الأكاديميين من إسرائيل وفلسطين وعقدنا لقاءات في طاليثا قومي حيث الآن مقر "برايم – PRIME". في 1998، قررنا تأسيس "برايم – PRIME" والعمل سوياً على مشاريع، مشتركة دائماً، على أساسٍ متساوٍ، حيث يقوم الإسرائيليون والفلسطينيون بأبحاثٍ مشتركة لترويج العملية السلمية.
ما هي أول تجربة لك في العمل في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي؟
لقد عملت مع البدو والعرب في إسرائيل من قبل، لكن المرة الأولى التي عملت فيها مع فلسطينيين كانت في 1994. أحسست بأنه كان هناك شيئٌ غير سليم في العمل على أبحاث مشتركة قبل أن يكون هناك اعترافٌ متبادلٌ. كان ذلك سييتتبع العديد من الأمور من حيث التعامل معهم بأبوية سلطوية أو تجنب الحل السياسي. لذا، بعد أن أصبح هناك حلٌّ سياسيٌّ، ذهبت إلى القاهرة لحضور مؤتمر حول التعايش فالتقيت بإيليا عواد وقررنا القيام بعض الأشياء.
إن هذا مثير للاهتمام لأن بعض الإسرائيليين والفلسطينيين كانوا يجتمعون قبل أن يكون هناك اعترافٌ مشترك.
نعم، كنت أعرف عن هذه الاجتماعات لكنها بدت غريبة بالنسبة لي. كما أنني كنت مشغولا بدراساتي السابقة ولم أكن في الحقيقة متفرغاً للتعامل مع الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
عندما انخرطت في الموضوع الفلسطيني الإسرائيلي، هل وجدت تشابهاً أو توازياً مع دراساتك حول أبناء النازيين وأبناء الناجين من النازية؟
لا أعتقد أنني كنت ساذجاً، لقد علمت أن الأمر مختلفٌ تماماً. فهذا نزاعٌ فعليٌ حول الأرض، حول أمورٍ حقيقيةٍ، حول إنهاء الاحتلال... أمورٌ لم تعد قائمةً بين اليهود والإسرائيليين والألمان. ومن ناحية أخرى، فإن النازية (الهولوكوست) كانت حدثاً عنيفاً أكثر بكثير.فإذاً، هناك العديد من الاختلافات. إبان النازية، كان واضحاً من الضحية ومن المعتدي. وفي الصراع الفلسيطيني الإسرائيلي – كما في شمال إيرلندا وجنوب إفريقيا- هناك ضحايا ومعتدين على كلا الجانبين، لذا فإن الموضوع من هذا المنطلق أعقد بكثير.
ما هو شعورك تجاه المقارنة التي غالباً ما تعقد بين ما يحدث هنا وما حدث إبان النازية؟
أعتقد أن الأمر يعتمد على تعنينه بالمقارنة. بالإضافة، أنا أتحدث عن المثلث... الألمان، اليهود والفلسطينيين. أنا أتحدث عن "تهجير" العدوان؛ بعض العدوان الذي لم يمارسه اليهود ضد الألمان، والآن يعبّرون عنه تجاه الفلسطينيين. إلا أن هذه آليات معقدة عليك أن تفهميها حقاً لتتمكني من الحديث عنها. وأنا لا أحب المعادلة بين ما يحدث بين الإسرائيليين والفلسطينيين وبين ما حدث إبان النازية. أعتقد أن هذه صيغ مبسطة، إنها سوقيّة وأنا لا أحبها. مثلاً، عقدت حلقة دراسية في الثمانينيات حيث قام طلابي بإجراء مقابلات مع ناج من النازية وابن/ة أحد الناجين، وأحضروا المقابلات إلى الصف وناقشناهم. والأن أنا اعمل مع مجموعة من اليهود والعرب الإسرائيليين، وهم يُجرون المقابلات مع شخص من جيل آبائهم، وشخص من جيل أجدادهم، ثم يُحضرون المقابلات إلى الصف حيث نناقشها. إذاً، لقد تعلمت كيف أُترجم الأشياء من ذلك الموضوع إلى الموضوع الحالي.
هل لك أن تعطينا لمحة عن النشاطات التي تقوم بها مؤسسة دراسات السلام في الشرق الأوسط؟
إلى إي مدى وجدت أن السرود التاريخية المختلفة تندرج تحت سردان تاريخيان أساسيان، بدلاُ من ربما أكثر من ذلك؟
لقد اخترنا عن وعي أن نأخذ السرد المُجمع عليه تقريبا في الجانب اليهودي الإسرائيلي، والسرد المُجمع عليه تقريبا في الجانب الفلسطيني. من الواضح أن هناك اكثر من سرد لدى كل جانب ولكنها تأتي من مجموعات أصغر. كما أنه ليس هدفنا أن نوجد سرداً لجَسر الهوَّة، هذا أمرٌ قد يستطيع اليسار المتطرف في إسرائيل ومجموعات صغيرة جداً في فلسطين أن يقوموا به. فكرتنا كانت أن نبني سردين ليبقيا في النطاق العام لفترة طويلة تدوم بعد قيام الدولتين. نحن نؤمن بحل الدولتين. فكرتنا أساساً أن نهيئ التلاميذ لقبول أن هناك منظورين لما حدث هنا. فعلى سبيل المثال، بالنسبة للفلسطينيين سيبقى دائماً وعد بلفور المرة الأولى التي لم يُعترف فيها بحقوقهم. وبالنسبة لليهود الإسرائيليين، سيبقى هذا الوعد المرة الأولى التي اعترف فيها المجتمع الدولي بحقهم في وطن قومي في هذه الأرض. هذه الأشياء لن تتغير حتى لو وُجد هناك حلٌّ سياسيٌّ.
هل تعتقد أن السلام الحقيقي يتطلب رأباً للسرود التاريخية؟
قطعاً لا. نحن نعتقد بأن السلام الحقيقي يعني تمييِز كيف أن الآخر مختلفٌ عنك، لا كيف هو متشابهٌ معك. أن توجد سرداً مُجسِّراً يعني أن توجد تماثلاً. ونحن لا نريد أن نخلق وهم التماثل لأننا لا نعتقد أن هذا سيحدث، ليس في المستقبل القريب على الأقل. إذاً أولاً عليك أن تعترف أن الآخر يفكر بطريقة مختلفة عنك. هذا هو تماماً الهدف المنشود. لقد طوَّر المعلمون الكتيّب الأول، والثاني سيخرج إلى حيّز الوجود خلال شهرين، وهم الآن يُطوُّرون الكتيّب الثالث. في النهاية، سيكون هناك كتابٌ يحوي تسعة تواريخ مختلفة ما بين عامي 1917 – 2000 مع دليل للمعلمين. إن تدريب المعلمين في هذا المجال هو عاملٌ أساسيٌّ، ونحن نرغب بأن ندرب معلمين أكثر. إن هذا سيكون دائماً فعالية نرغب بالمشاركة فيها.
كيف اخترتم التواريخ التسعة الممثلة في السرود المختلفة للكتاب؟ هل كان هناك أيُّ نوعٍ من الإجماع حول أيّ من التواريخ يُبدأ به؟
نعم، لقد كان ذلك مثيرا للاهتمام. إن نطاق التواريخ لم يختلف كثيراً بين المجموعتين. كما أنهم عندما كتبوا سرودهم اتفقوا في كثير من الأحيان على الأمور التي يجب ذكرُها حول ذلك التاريخ. لقد وجدتُ ان الاختلاف الفعلي يكمن في ما يقولون عن هذه التواريخ.
هل لك أن تحدثنا قليلاً عن الحاجة لمثل هذا الكتاب المدرسي؟
بالمناسبة، لقد صدر الكتاب بالعبرية والعربية وتمت ترجمته إلى الإنجليزية. والآن تُرجِم إلى الإيطالية والفرنسية. وفي فرنسا نال دعايةً واسعةً. التقينا مع معلمين وتلاميذ ممن يَدرُسون الصراع وقد وجدوه مفيداً خاصة في الصفوف حيث يُوجد أطفال مسلمين ويهود لا يتفقون على أية مادة تُقدّم لهم. إن هذا الكتاب هو من ضمن المجموعة الوحيدة من المواد التعليمية التي يُوجد لدى المجموعتين الاستعداد لقبولها وتعلُّمها.
أين تُريد أن يُدرّس هذا الكتاب، وما الهدف منه؟
إننا نأمل أنه حين الانتهاء من العمل على المجموعة كاملة، أن يكون الظرف السياسي قد تغيّر بحيث يُمكننا معاً أن نخاطب وزارتي التعليم لدينا وأن نقترح عليهما بأن يكون هذا أحد الطرق للمساعدة في تخطي النقاشات التحريضية. هنا لدينا مقاربة لكيفية وضع السردين معاً في إطارٍ أو مجموعةٍ واحدةٍ، وكيفية قبولهما فعلياً كسردَين شرعييّن. إننا نرغب بأن يحدث هذا. إنه مشروعٌ بدأ من القاعدة إلى القمة، ولكن يمُكن بسهولةٍ زرعه فيما بعد من الأعلى إلى الأسفل أيضاً.
ما الذي لاحظته حول نطاق الكتب المدرسية الموجودة والمستخدمة من قبل المدارس الإسرائيلية والفلسطينية، والحاجة لكتابٍ مدرسيٍ كالذي أنجزتموه؟
إن سامي خبيرٌ أكثر مني في هذا الموضوع لأنه درس المنهاجين الإسرائيلي والفلسطيني وكتب عنهما بشكلٍ مكثفٍٍ. إن ما نجده في المناهج الأسرائيلية والفلسطينية، بشكلٍ عامٍّ، هو نمطي في حالات الصراع حيث الهدف من المناهج هو دعم وإضفاء الشرعية على الجانب الذي يمثلنه ونزع الشرعية عن الجانب الآخر. هذا ما نجده في الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني، وهذا نمطيٌّ جداً في الأماكن حيث يُوجد صراعات محتدة. كان هذا هو الحال في إيرلندا الشمالية، وبين ألمانيا وفرنسا، وكذلك ألمانيا وبولندا. إذاً، فنحن لسنا أول من يُصارع مع هذه الأمور. فعلى سبيل المثال، بعد العام 1945، أنشأت فرنسا وألمانيا لجنة عملت على جميع الكتب المنهجية في البلدين وأزالت كافة التعابير المهينة—حتى من كتب الرياضيات!
هل هناك مدارس مستعدة لاستعمال الكتب التي أعددتموها؟
المعلمون الذين طوّروا هذه الكتب يُدرسونها في صفوفهم. إنها نسخة تجريبية. وسوف يستمرّون في تدريسها بالرغم من أن وزارة التعليم الإسرائيلية قد طلبت منهم عدم استعمالها. لدى معلمينا طرقهم في استعمالها بشكلٍ غير رسمي. كما أننا لسنا في مرحلةٍ مستعدين فيها لاقتراح استعمال هذه الكتب بشكلٍ رسميٍّ.
برأيِّك، ماذا سيتطلّب وزارة التعليم الإسرائيلية لتصبح مستعدة لاستعمال هذه الكتب؟
أعتقد أن التغيّر في الوضع السياسي أمرٌ ضروري. أعتقد أن التعليم سوف يكون من أوائل الأمور التي تطرأ على جدول الأعمال عندما يبدأ الحوار مرةً أخرى على الصعيد السياسي. إن الجانبين يعيان اليوم أنه من المهم القيام بشيءٍ ما لتغيير التعليم. لقد تم إهمال هذا الأمر في أوسلو. نحن نرى أن هناك مشكلة أنه في أوسلو وحتى في مبادرة جنيف لم يكن هناك فصلٌ عن التعليم، ونعتقد أن التعليم يجب أن يكون موضوعاً أساسياً في أية اتفاقية سلام قادمة.
ما هو المشروع الرئيس الآخر لبرايم الآن؟
المشروع الثاني هو حول موضوع اللاجئين، ونحن وجدنا طريقة جديدة للتعامل معه. لقد اخترنا موقعين، حيفا وموقع آخر في جنوب إسرائيل، منطقة بيت جبرين وريفاديم مسمية ومنطقة لحيش. قام فريق سامي بإجراء مقابلات مع اللاجئين الفلسطينيين وأفراد عائلاتهم الذين نزحوا أو أُخرجوا من تلك المنطقة ويعيشون الآن في مخيمات اللاجئين في منطقة بيت لحم. وأجرى فريقي مقابلات مع الأشخاص اليهود وأفراد عائلاتهم الذين استوطنوا في تلك المناطق قبل وبعد 1948. نريد أن نُوجِد قاعدة بيانات تحوي قصصهم، أو حتى متحفاً يُمثل هاتين المجموعتين من القصص. لقد قمنا بتجربة واحدة حيث اخترنا عائلتين من الجانب الفلسطيني – ثلاثة أجيال في كل عائلة- وعائلتين إسرائيليتين- ثلاثة أجيال- وجمعناهم معاً في كانون أول الماضي في عطلة نهاية الأسبوع في برايم حيث قاموا بمشاركة بعضهم بقصصهم وصوّرنا ذلك. ونامل أن يكون لدينا فيلم حول ذلك قريباً جداً. لقد كانت التجربة مشحونة وصعبة للغاية إلا أنها كانت ملهمة في ذات الوقت؛ بالمعنى الذي يُمكنك فيه أن تري تجاذباُ مغناطيسياً حقيقياً بين شخصين فيما يتعلّق بمكان. لقد كان ذلك لقاءً أول ولكننا نريد أن نستمر بجمعم معاً.
ما هو الهدف من جمع هذه العائلات معاً؟
ما هي بعض المخاوف التي انتابت الأشخاص المشاركين في هذه الأحاديث والاجتماعات؟
التخوّف بأن الاستماع إلى الآخر سوف ينزع الشرعية عن موقفهم... عن تجربتهم وعن مشاعرهم... اعتقد أن هذا كان التخوّف الأساسي لدى المجموعتين. النجاح كان يكمن في أن يستمع كلٌّ منهم إلى الآخر دون نزع الشرعية عن أنفسهم أو عن وجهة نظرهم. من الصعب جداً أن تحتوي بداخلك القصتين، ولا يُمكن أن نتوّقع أن يحدث هذا كلُّه في لقاءٍ واحدٍ. لقد كان مثيراً ان نراقب؛ كان هناك الجد، الابن والحفيد، الجدة، الابنة والحفيدة، ومثل لك على الجانب الآخر. كان يُمكن أن يرى المرء الاحتمالات المختلفة للأجيال المختلفة. الأجداد ملتزمون جداً بما حدث في الماضي، أما الأحفاد فلديهم طرقٌ أخرى للنظر إلى الموضوع. عليك أن تضم بهذا المشروع مختلف الأجيال، إذ لا يُمكن القيام به مع جيلٍ واحدٍ. إن المجتمعين الإسرائيلي والفلسطيني هما مجتمعان عائليان وهذه الأمور تنتقل عبر الأجيال. إننا ننظر إلى هذين النقلين ونعمل من خلالهما في ذات الوقت، لذا لا يمكن التفكير بواحدٍ دون الآخر.
أيضاً، في الوقت الذي أجريت فيه المقابلات في حيفا مع يهود وعرب ممن يتذكرون حيفا قبل 1948. وقد عملت فيلماً حول ذلك و هو متوفر اللآن. في حيفا، على سبيل المثال، أعتقد أن هناك خيارات لم تُفحص بعد، والتي أرغب بمُتابعتها عندما يتغير المناخ السياسي. مثلاُ، هناك أفراد عائلة لهم أقارب في لبنان وإنني مستعد لأكون مسؤولاً عن إرجاعهم إلى هنا والإعتناء بهم ومساعدتهم على التأقلم. كما أن هناك بيوتاً غير مسكونة والتي يُمكن إعادة بنائها لهذا الغرض. أعتقد أن مثل هذا المشروع يجب ان يتم بهدوء وبعيداً عن الإعلام ودون الاهتمام العام لعدة سنوات لاختبار ما يمكن فِعله من حيث عودة اللاجئين، وأيضاً لبيان ما لا يُمكن فِعله. عندما يُوجد لديك أقارب، والمنازل، ومثل هذا الاستعداد – عندها يمكنك فعل ذلك. وإذا لم تتوفر لك جميع هذه الشروط، فلن تتمكّن من فعل ذلك.
لماذا تعتقد أن الاهتمام الإعلامي بهذا الأمر قد يَضر؟
إن الإعلام قد يعطل العملية، وأعتقد أننا لسنا بحاجة لذلك. أعرف مشروعاً مشابهاً في غواتيمالا حيث توّجب تنفيذه بعيداً عن الاهتمام العام لمساعدة الأشخاص في أن يتأقلموا فعلاً وأن يجدوا مكانهم وطريقهم. وعندما شعروا بأنهم استقروا سمحوا للعموم أن يطّلعوا على المشروع. يجب أن تعطي الأمر مهلة كي يختبروه حقاً... أعني، هل من الممكن فعل هذا الشيء بعد كل هذه السنوات؟
إذا هل هي فكرتك أن يعود كل اللاجئين إلى بيوتهم الأصلية؟
كما قلت، لا. فكرتي هي أن هذا غير ممكن في العديد من الأماكن لأن هنالك أُناس يعيشون هناك. هذا ما حدث في المثال الآخر. هناك مواقع حيث هذا ممكن في ظروف محددة جداً، حيث يوجد أشخاص من عائلاتهم مستعدون لاستيعابهم، وحيث هناك أشخاص مستعدون للقدوم والعيش في إسرائيل، وحيث السكن المتوفر كان مُلكاً لعرب من قبل.
هل تعتقد أن هذا يجب أن يكون جزءاً من اتفاقية؟
أعتقد أنه يجب الاتفاق على النظر في الموضوع في إطار محلي أكثر تحديداً وألا يتم وضع قاعدة عامة لكل الأماكن. أعتقد أنه هذا ما يجب الاتفاق عليه ومن ثم السماح للمبادرات المحلية بالظهور، مع الأخذ بعين الاعتبارمشاعر الناس الذين يعيشون هنا، يهوداً وعرباً، الجو فيما بينهم، قدرتهم على الاستيعاب... كم... وبأيِّ وتيرة... وأن يتم فعل ذلك بطريقة تضمن النجاح. يجب العمل على ذلك ببطء.
برأيك، ما الذي كانت تتوّقع العائلات أن تحققه من مشاركتها في مشروع منطقة لحيش؟
على سبيل المثال، إحدى النتائج كانت أن بعض اليهود قالوا أننا لا نُمانع إذا أراد بعضكم العودة إلى هذه المنطقة، ولكن عليكم أن تأخذوا بعين الاعتبار أنه لن يُمكنكم العيش من العمل في الأرض كما في السابق. فإذا أردتم تحصيل مستوى معيشةٍ عالٍ، فإن الأرض لن تُعطيَكم ذلك، عليكم إيجاد مصادر عيشٍ أخرى. أعتقد أن مثل هذه الأشياء لم تناقش من قبل قط بشكلٍ منفتحٍ بين يهود وعرب، وإنها ]أي هذه الأشياء[ يُمكن أن تحدث فقط بين الأشخاص عندما يُكنَون نفس المعزة والاهتمام للمكان ذاته.
باعتقادك، ماذا توقع الفلسطينيون أن يحققوا من هذا المشروع؟
من الواضح أنهم أرادوا أن يتم الاعتراف برغبتهم بالعودة إلى أماكنهم التي يرون أنهم ينتمون إليها وما إلى ذلك... ولكن علينا إدراك أن هذه عبارة عن عملية متواصلة,أي لا تتم في خطوة واحد. هكذا تبدأ ولكن لا نعرف كيف تنتهي. بعض الناس سوف يُواصلون، والبعض الآخر سيُغيّر رأيّه. من الناحية النفسية، فإن موضوع اللاجئين الفلسطينيين تم إهماله دوناً عن باقي المواضيع الأخرى. فكل المواضيع المتبقية قد تم فحصها إلى حدٍّ ما، إلا أن هناك إنكار وإقصاء لمشكلة اللاجئين الفلطسينيين.
باعتقادك، لماذا موضوع اللاجئين الفلسطينيين هو الأصعب من حيث المعالجة؟
لأنه يتطلّب من الإسرائيليين الاعتراف بمسؤوليتهم الجزئية عن إيجاد هذه المشكلة، والإسرائيليون يخشون من أنه أذا اعترفوا بذلك فإنهم سوف ينزعون الشرعية عن وجودهم في هذا المكان.
ما الذي تعلّمته شخصياً عن موضوع اللاجئين؟
تعلّمت أولاً أنه يُمكنهم التحدث مع بعضهم البعض ]أي اليهود والفلسطينيين[ وأنهم يُمكنهم الاعتراف ببعضهم البعض، وأن هناك أساساً لمثل هذا الحوار لأن يستمر. تعلّمت مثلاُ – ولم أكن أعرف ذلك- أن اللاجئين مهمشون في مجتمعاتهم، وأنهم يشعرون بالخزي من كونهم لاجئين في مجتمعاتهم مقارنة بمن ليسوا لاجئين. تعلّمت أيضاُ أن "الموقع" له مفهومان مختلفان لدى اليهود والعرب. فالنسبة للفلسطينيين الموقع هو المكان،الشجرة،البيت. أما بالنسبة لليهود فهو الأرض بشكلّ عام وليس الموقع المُعيّن بحدِّ ذاته. أعتقد أن تنقيح المفهوم مهمٌ جداً ويُمكن ان يحدث فقط إذا اختبرتيه.
نعم، فأنا أقل ارتباطاً بالمنزل- سواءٌ منزل جدّي في ألمانيا، أو منزل والديّ في حيفا أو منزلي في رفيفيم حيث عشت 25 عاماً- ولكني أكثر ارتباطاً بالأرض، والشعب والمناظر.
ما هي التغيّرات التي طرأت على عملك خلال السنوات الثلاث الماضية؟
أولاً، أعتقد ان نجاحنا في الاستمرار هو معجزة. ففي الأعوام 2001، 2002، 2003 و2004، استمرّينا بجمع المعلمين معاً كل ثلاثة أشهر. كان ذلك جهداً كبيراً تتطلّب الحصول على تصاريح. أحياناً كنّا نحصل على التصاريح في يوم الحلقة الدراسية، وأحياناً أخرى كان البعض فقط يحصل على تصاريح. كان صراعاً مشحوناً، وأشعر بأن مجرد نجاحنا أمرٌ يُحسب لنا. لم نتغيّب قط عن حلقة دراسية. الحلقة الدراسية الوحيدة التي اُلغيت أو أُجّلت لعدة أسابيع كانت عند بدء حرب الخليج حيث فُرض حظر تام للتجوّل ولم نستطع أن نفعل شيئاً.
أعتقد أن عملية تعارف المعلمين على بعضهم البعض والعمل سوياً تقدمت خلال هذه المدة، فالمعلمين اليوم ليسوا كما كانوا قبل سنتين. أعتقد أنني وسامي وبعضٌ ممن يعملون معنا أصبحنا أكثر تصميماً على الاستمرار في العمل معاً بالرغم من كل ما يحدث حولنا. حتى في اللحظات الحالكة حيث لم يكن هناك أملٌ على الإطلاق، استمرّينا بعنادٍ بهذا العمل. إننا نؤمن بأنه ستأتي لحظةٌ بعد ذلك، وعندما تحين هذه اللحظة يجب ان نكون مستعدين بما لدينا من مواد. هذا هو مفهومنا. أعتقد ان السياسيين يجب أن يمرّوا خلال التجارب و الدروس التي مرَّ بها معلمينا من الاستماع إلى رواية الآخر وطرح الأسئلة حولها، وإخبار الآخر ما هي المصطلحات التي تسيء إليهم، ورؤية كيف أنالسرود سوف تتناسق مع بعضها البعض بحيث تشعر كل معلمة بأن بإمكانها تدريسها في الصفوف التي تُعلمها.
ماذا تعني بكيفية أن " تتناسق السرود مع بعضها البعض"؟
أي أن السرود لن تكون بشكلّ تكوني متأكدة معه أن التلميذ الذي يقرأ الكتابين سوف يدفع آلياً بالسرد الآخر بعيدأ. وأنه سوف يكون حقاً مستعداً للاستماع إليه بشكلٍ جديّ. إن هذا يتطلّب ظروفاً محددة؛ ألا يتم استعمال تعابير عدائية تنزع الشرعية. لقد كان هناك نقاشاتٌ حول ذلك. فعلى سبيل المثال، مصطلح العصاباتالصهيونيةالذي يستخدمه الفلسطينيون، قال عنه المعلمون الإسرائيليون أنه "إذا استخدمتم هذا المصطلح فإن طلابنا سوف يفقدون التجاوب معكم فوراً. هل يُمكنكم استخدام مصطلح آخر؟" أو على الجانب الإسرائيلي... إرهابي مقابل مقاتل الحرية. لم يجد المعلمون حلولاً لكل شيء. أحياناً الحل كان في استخدام "شَرْطَة-" مقاتلحرية/إرهابي. ولكنهم حلوا كل من هذه الأمور وناقشوها بشكلٍ منفتح. أحياناً كان هناك أزمات، ولكنهم لم يُشككوا أبداً في فكرة وجود سردين. أعتقد أن هذه أشياء يمكنك تعلُّمها فقط بالخضوع لهذه العملية.
ما هي أكبر التحديات التي تواجهها في عملك؟
كيفية نقل ما ننجزه من النطاق الصغير إلى النطاق الأكبر والأشمل. نحن ندرك أن هذه مشكلة كبيرة. ليس كلُّ ما ننجزه من جمع عائلتين معاً يُمكن ترجمته فوراً إلى المستوى الأكبر. ولكني تعلمت شيئاً من تجربتي الألمانية-اليهودية. فعلى سبيل المثال، عندما التقت مجموعة ألمانية-يهودية للمرة الأولى، أصبحوا قريبين جداً من بعضهم البعض. لقد كانت تلك المرة الأولى في التاريخ التي يلتقي فيها أبناء مرتكبي الجرائم مع أبناء الناجين. وعندما عادوا وأخذوا يتحدثون عن ذلك غضب الناس منهم جداً: "كيف تجرؤون على اللقاء معهم؟" وعندها ذهبوا إلى اللقاء الثاني من دون أية أوهام: "هل سنصبح مجموعة مغلقة، أم أن عليها التخلي عن تجاربنا كي ننتمي إلى مجمتعاتنا؟" الجميل في الأمر أن المجموعة قررت ألا تأخذ أيِّ اتجاه. هذا يعني أنهم قرروا أن يستمرّوا في تجربة المجموعة والاستمرار في العلاقة معها على أمل أن يتناسق الاتجاهان معاً بشكلٍ أفضل في المستقبل، وهذا ما حدث. لقد حدث هذا في حالة المجموعة الألمانية-اليهودية. وبسبب التغيرات في أوروبا وفي المجتمع الإسرائيلي، أصبح اليهود والألمان أكثر انفتاحا للدخول في حوار، وتجربة المجموعة تناسبت بشكلٍ جيد مع ذلك. ولا أعرف حقاً إن كانت تجربة المجموعة قد ساهمت في دفع ذلك إلى الأمام، وانا لا أخدع نفسي بالقول أن مجموعتنا الصغيرة فعلت ذلك، إلا انني أعتقد ان مثال المجموعة سارع في هذا نوعاً ما. هناك فيلمٌ وثائقيٌ حول المجموعة تم عرضه في عدة أماكن، إذاً كان هذا شيئاً سهّل الحوار. أعتقد أنني أتطلّع إلى ذات الشيء في الحالة الفلسطينية-الإسرائيلية. من الواضح أنه ما دام الصراع الدامي مستمرّاً فإن هذا التوقّع غير واقعي. ولكنني أعتقد أنه إذا تقدمت بعض الأمور الآن في 2005، فأنني استطيع أن أرى كيف سيُصبح هذا المشروع ذي مصلحة عامّة خلال وقتٍ قصيرٍ نسبياً.
هل كانت لديك أية تحفظات حول وضع الأشخاص في مواقف مشحونة كهذه؟
نحن دائماً نقول للمعلمين، مثلاً –كل الأشخاص الذين يعملون معنا- بأنهم ليسوا مضطرين لذلك، أعني أنهم إذا شعروا بأن الأمر شديدٌ عليهم فبإمكانهم الانسحاب. ولكن تجربتنا أظهرت لنا أن العديد من المعلمين قالوا أن هذا هو النشاط الوحيد الذي أعطاهم الأمل خلال هذا المدة. لذا شعرت بأنهم اصبحوا ملتزمين مثلنا بهذه العملية. على سبيل المثال، كان لدينا معلم إسرائيلي يخشى الذهاب إلى طاليثة قومي، ونحن نعقد لقاءاتنا الآن هناك. وهو لا يستطيع القدوم لأن زوجته لا تسمح له بذلك وهو لا يُريد ذلك أيضاً. علينا ان نتفهّم بأنه ليس الكل قادرٌ على ذلك. كان هناك بعض المعلمين الفلسطينيين الذين لم يستمروا لأسبابٍ مختلفة، إذاً فليس الكل قادرٌٌ على ذلك وعليك أن تقبلي هذا. فالأمر معقّدٌ وإشكاليٌّ وفيه مخاطرةٌ ويخلق انقساماً في النفس، "ما أنا الآن، إسرائيليٌّ أم..." من الواضح أنه معقّدٌ لكل شخصٍ من المجموعة وعلينا أن نتقبّل أنه ليس الكلُّ قادرٌ على ذلك. خلال هذه السنوات، مررت شخصياً بلحظاتٍ لم أكن متاكداً فيها من عملي مع سامي ومع برايم. وكانت هناك لحظات يئسنا فيها جداً أو غضبنا جداً من بعضنا البعض. لكننا كنا نسمّي أنفسنا نوعاً من "جزيرة العُقّال" – لقد جُنَّ العالم من حولنا وكان علينا أن نحافظ على "جزيرة العُقَّال" هذه. هكذا شعرنا... بأن هناك شيءٌ مشتركٌ بيننا أكثر من ذلك الذي مع بعض أفراد مجتمعنا.
ما هي خططك لنقل ما أنجزتموه على المستوى الصغير إلى المستوى الأكبر؟
في هذا المشروع لدينا خطة حقيقية. نريد أن ننتهي من تطوير الكتاب ودليل المعلمين، وبعد ذلك إذا تحسّن الوضع السياسي، فإننا نخطط لإحضار أشخاص من أوروبا. إننا نعرف أُناساً في أوروبا، وزارات تعليم وغير ذلك، ممن سيضغطون على كلتي الوزارتين لاستخدام هذه المقاربة على النطاق الأوسع. هذا سيعني تدريب عدد كبير من المعلمين حول هذا المفهوم واستخدامه كمنهاج رسميٍّ من قبل الفلسطينيين والإسرائيليين. إننا نشعر بأن هذا ممكن، إلا أننا لا نعرف بالضبط متى وكيف سيحدث ولكن لدينا طريقتنا في ترجمة هذا المشروع الذي نُفِّذ مع ثلاثة معلمين من كل جانب، إلى شيء يُمكن لكل معلمة –تقريباً- أن تفعله. حتى لو استخدمه 40% من المعلمين فإننا نشعر بأن هذا سيكون انفراجاً كبيراً.
أما فيما يتعلق بمشروع اللاجئين فأعتقد أنه من المبكر جداً لنا القول. إننا نعرف الآن أننا نعتقد أن أي حل يجب أن يأخذ بعين الاعتبار المواقع والأماكن المختلفة وتريد أن نُدخل هذه المعلومة إلى عملية صنع القرار ربما من خلال مؤتمر أو ندوة أو عرض ذلك للناس من خلال الفيلم. أننا ندرك، بالتأكيد، أن جزءاً من المشكلة هو الأعداد الكبيرة التي تسبب الاحباط للجميع وتتطلب نوعاً من الحل الكلي. ولكننا نؤمن بأن العكس يجب أن يتم، إذ علينا أن تحللي الموضوع إلى أجزاءٍ صغيرةٍ... وأن ننظر إليها في إطارها المحلي... وأن نري وضع اللاجئين في لبنان بأنه الأسوأ وعليه يجب أن نساعدهم أولاً.
هناك مواقع حيث إعادة توطين اللاجئين سهلٌ نسبياً – وهناك مواقعٌ حيث هذا مستحيل، وهذا يعتمد على تاريخ تلك المنطقة أو الحي قبل العام 1948. هناك أماكن مثل حيفا حيث العلاقات جيدة جداً. وهناك أماكن حيث العلاقات كانت دائماً سيئة، فتوقع أن يستضيف هذا المكان لاجئين هي أقل مقارنة بحيفا. اعتقد أنه يوجد لدينا نموذجٌ من درجة التعقيد التي يجب ان نتعامل معها عندما نريد أن نبدأ بالنظر إلى هذه الأماكن ورؤية ما يُمكن أن يحدث في تلك البلدة.إننا متأكدون بأن هذه ستكون العقبة الكبرى أمام أية مصالحة مستقبلية بين الشعبين.
بالنظر إلى العمليات السابقة، هل تعتقد أن هذه كانت العثرة الكُبرى؟
نعم، ولكن ليس هذه فقط... أعتقد أنه كان هناك العديد من المشاكل في أوسلو أيضاً، إلا أن قضيتي التعليم واللاجئين بالنسبة لي هما أهم موضوعين يجب التعامل معهما في أية اتفاقية مستقبلية، ولهذا اخترنا هذين المشروعين.
ما هي المشاكل الأخرى التي تراها في أوسلو؟
في أوسلو كان هناك تزامن سيء جداً بين العملية من القمة إلى أسفل ومن القاع إلى أعلى. فمن القمة إلى أسفل، كان هناك اتفاق بين القادة ولكنهم لم يفكروا بكيفية تهيئة الرأي العام للمضي معهم، وكيفية جعله يفهم لماذا وصلوا إلى هنا. لذا، فإنهم نوعاً ما عزلوا أنفسهم، على الجانبين. كان هذا خطأً كبيراً وأعتقد أنه سبب اندلاع العنف في عام 2000. جزءٌ من هذا، ومرتبطٌ به أيضاً، أن العديد من الأمور التي تم الاتفاق عليها لم تنفذ. وكانت الولايات المتحدة متوانية بإشعار الجانبين بأنهم لا يوفون بوعودهم وأن هذا سيكون له ثمنه في المستقبل. لا أعتقد أن الولايات المتحدة قد قامت بدورها كوسيطٍ نزيهٍ بهذا المعنى. وأعتقد أنه ربما كانت هذه خطوة أولى ضرورية ولم يكن بالإمكان إحراز اكثر من اعترافٍ متبادل. ولكنني أعتقد أنه كان من الممكن تفادي بعض التراجع لو أنه تم التحضير لها جيداً. اليوم نحن أكثر حكمة، وأعتقد أن هذه الأخطاء سوف تؤخذ بالحسبان في المستقبل. قال لي شخصٌ في شمال إيرلندا يوما "لقد كدنا أن نعقد اتفاقاً في 1975، ولكن هذا كان للذين يتعلمون بسرعة، إلا أنه كان هناك بيننا العديد من بطيئي التعلم فاحتجنا 25 سنة أخرى" وأخشى أن بيننا أشخاص شديدي البطء في التعلّم وأننا قد نحتاج إلى 25 سنة أخرى. لقد أعطاني بعداً آخراً.
عندما تفكر باللاعبين الدوليين هنا، من برأيّك الأكثر تأثيراً؟
التأثير من حيث المساعدة؟ من الواضح أن النرويجيين كانوا جد ميّسرين لعملية أوسلو. أنا أنتقد بشدة دور الولايات المتحدة- خاصة في الأربع سنوات الأخيرة، ولكن أيضا في عهد كلينتون. أعتقد أن دينيس روس لم يكن الشخص المناسب ليأخذ دور اللاعب الأساسي في المنطقة، وأعتقد أن كلينتون لم يفهم العديد من المشاكل في هذه المنطقة. لقد ذهب إلى كامب ديفيد غير مهيئ تماماً وكان مستعجلا جداً للانتهاء لأنه أراد الحصول على جائزة نوبل. أعتقد أن الولايات المتحدة لم يكن لها دورٌ مساعدٌ جداً هنا. أعتقد، مثلاً، أن فيشر كونه ألماني –بالرغم من أن الموضوع معقدٌ وحساسٌ بالنسبة للألمان- نجح في تطوير موقفه بحيث يتعاطف مع الجانبين وفي ذات الوقت يُوجه لهما الانتقادات. ليس هناك العديد من السياسيين الذين يستطيعون فعل الأمرين معاً، لذا أعتقد أنه كان مؤثراً في تسهيل بعض المراحل. ولكنني أعتقد أيضاً أنه على الجانبين أن يعملا أكثر لوحدهما. يمكن لأشخاص من الخارج أن يساعدوا ولكن بشكلٍ محدود. لقد رأينا ذلك في ندواتنا عندما نحضر طرفاً ثالثاً، بقدر ما يُريد أن يُساعد، عليه أولاً أن يعرف تفاصيل الوضع، وهذا بحد ذاته يخلق جوّاً من التنافس حيث يُريد كل جانب أن يستميله إلى ناحيته مما يُعطل العملية. لذا فإنه أحياناً يكون من الأفضل إبقاء الطرف الثالث خارجاً والعمل فعلاً على دفع الأمور من خلال الطرفين، فالأطراف الخارجية لا تعرف دائماً كيف تؤدي دورها.
هل لك أن تخبرني بعض الشيء عن تجربتك مع الصراع وكيف أثرت على حياتك؟
لقد عملت لأكثر من ثلاثين عاماً الآن في مواقف الصراع، بداية بالنازية (الهولوكوست). قبل ذلك كنت عضواً في مستوطنة زراعية وفكرت بأن امتهن السياسة، ولكني عدلت عن الأمر عندما رأيت الوضع السياسي في بداية السبعينيات إذ لم يكن هنالك فرصة لي للانخراط فاخترت عن وعي الاتجاه الأكاديمي. أردت أن أقوم بشيءٍ مهنيٍّ دون أن أكون تحت ضغط سياسي، وأعتقد أن هذا كان الخيار الصائب. أعتقد أننا في هذا الموقف بحاجة إلى أشخاص يستطيعون التفكير بالأمور بشكلٍ أعمق وألا يكونوا منخرطين على المستوى السياسي الإعلاني الجعجاع فقط.
أنا سعيد باختياري. وبالطبع أنا محبط، كالعديد من الناس، لأن العديد من الأمور التي فكرت بها في بداية السبعينيات لم تحدث إلى الآن. من وجهة نظري، فإنني أعيش منذ أكثر من نصف عمري في مجتمع يذهب في الاتجاه الخاطئ دائماً، وهذا صعبٌ جداً إذ عليك أن تجد طريقة للعيش مع ذلك دون أن يصبح عندك نوع من كراهية الذات أو الكراهية نحو مجتمعك. عليك أن تتقه مدى صعوبة الأمر بالنسبة للمجتمع وبنفس الوقت أن تحاولي دفعه للخروج منه. لقد تعلمت الكثير عن عمليات التغيير وعن محدوديتنا من حيث المدى الذي يمكن أن ندفع الناس إليه -متى وكيف- وأن علينا ألا نيأس أبداً أو نقول أن ما لم ينجح الامس لن ينجح غداً. إذاً عليك النظر دائماً إلى فرص جديدة لاختبار الأشياء. أحياناً لا يمكنك معرفة ما إذا كان الناس مستعدين أم لا إلا بالتجربة.
ما هو أهم شيءٍ حققته؟
في حياتي آمل أن أرى إمكانية دولتين إسرائيلية وفلسطينية تعيشان معاً. إن هذا سياخذ الطاقة الموجودة في اتجاهٍ إيجابيٍّ حيث أنها إلى الآن مكرسة في اتجاهات مدمرة. إذا حدث هذا في حياتي فإنه سيكون أكثر مما أتوقع. والباقي سيصبح كلّه تاريخ.أعتقد أن هذا ممكن، إنني فعلاً أعتقد ذلك، وأعتقد أننا نقترب منه، وكلما ازداد الوضع سوءاً كلما بدا جلياً أن هذا هو الخيار الوحيد. فحقيقة أن شخصاً كشارون -وهو الذي كان عدوّاً لي معظم حياتي- قد توصل إلى الاستنتاج بأن عليه أن يتقدم في هذا الاتجاه هذا معناه أن كل قائد سيفعل أيضاً. الشيء الوحيد الذي لا نعرفه هو كم من الناس سيقتلون. إذاً حتى أكثر الزعماء اليمينيين تطرفاً، إذا تسلموا رئاسة الوزراء، فإنهم سيتحملون المسؤولية كاملة. ربما سيتتطلب ذلك أن يُقتل 1000 أو 2000 أو 3000 آلاف شخص، وهذا هو الأمر المفجع بذلك- سيصلون جميعاً إلى الاستنتاج نفسه. إذا أردت أن يكون لديك الشرعية في العالم وأن تعيش حياتك، عليك أن تجد حلاً لهذا الموضوع.
هل لديك مخاوف متعلقة بالصراع؟
لدي مخاوفٌ جدية. كانت لدي مخاوف بان تُرحّل إسرائيل العرب من هنا، من إسرائيل أو من فلسطين. وأخشى أننا سنعود دائماً إلى العنف وألا نستطيع الخروج منه. من الواضح أنني أخشى على عائلتي وأبنائي وكل من هم حولي. أنا خائفٌ جداً طوال الوقت. ولهذا أعتقد أن علينا أن نعمل جاهدين للتوصل إلى حلٍّ ما.
كيف تشعر عائلتك حيال عملك؟
زوجتي ساندتني طوال الوقت، حتى عندما ذهبت لمقابلة أبناء النازيين، والذي لم يكن آنئذٍ أسهل من العمل الآن مع الفلسطينيين. أما أبنائي فقد ساندوني بطرقٍ ودرجاتٍ مختلفة. أحياناً كانوا هم من يقولوا لي "لا تذهب إلى طاليثة قومي، إن هذا خطر، كفَّ عن اللعب بإيمانك" وهكذا، ولكنني أشعر بأنهم يحترمون ويتفهمون ما أقوم به. أيضاً، لدي طلاب الدكتوراة الذين أعمل معهم في هذا المجال والذين أشعر بأنهم مخلصون وملتزمون جداً بهذا العمل.
هل وصلت في عملك مع مجموعة الحوار الألمانية-اليهودية إلى نقطة شعرت معها أنها تعطيك صورة اشمل؟
أعتقد انني وصلت إلى درجة الإشباع، شعرت بأنني أفهم المشكلة وأعرف ما يُمكن فعله وما لا يُمكن فعله. وأعرف المواضيع وكيف تبدو في الجيلين الثاني والثالث. كما أعرف كيف تؤثر على صراع الذي نحن فيه. بالنسبة لي، كان هذا تطوراً كبيراً في فهمي للموضوع؛ فلا يُمكننا النظر إلى الصراع الفلسطيني الإسرائيلي – تماماً كما لا يُمكنك النظر في الصراع البوسني والكرواتي- دون فهم الأطراف الأخرى التي كانت طرفاً فيه في أوقاتٍ سابقةٍ. لقد كانت تلك عملية تعليمية أساسية هيأتني للعمل على المشكلة الراهنة، ولوتيرة العمليات/التحولات المجتمعية والنفسية، وكم بالإمكان مساعدتهم على التقدم ولكن إذا ضُغط كثيراً فإن ذلك سينعكس سلباً عليك.
هل تشعر بأنك قريبٌٌ من الوصول إلى نقطة مشابهة في فهم الصراع الإسرائيلي الفلسطيني؟
لا، ليس بعد. أعتقد أن هناك العديد من الأمور المتعلقة. كما أشعر بأننا هنا في بداية شيءٍ ما، لأنه حتى لو تم حل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي فإن هناك العديد من الأمور التي يجب الانتباه لها على مستوى المنطقة، للمساعدة في حل الصراع حتى نتمكن من الانتقال إلى بلدانٍ أخرى مجاورة. إننا هنا في بداية شيءٍ لا نهايته.
