« المقابلة | أبرز المقاطع في المقابلات
مقابلة مع
هل يمكن لك بأن تبدأ وتعرفنا عن نفسك وتخبرنا كيف أصبحت عضواً في منتدى العائلات الثكلى؟
إسمي رياض فراج، أنا لاجئ من مهجري عام 1948، حيث تهجرت عائلتي في ذلك العام إلى "مخيم الدهيشة لللاجئين"، ولقد نشأت في ذلك المخيم. كانت عائلتي من الذين عانوا كثيراً بسبب الصراع, فقدرنا أن نقاوم الإحتلال ومنذ عام 1978 نشأت لأجد أخي الأكبر معتقلاً وتبعه أخاً آخر لي كذلك. بعد ذلك, تم اعتقالي عندما كنت في الرابعة عشر من عمري في عام 1984؛ وبدأت الإنتفاضة الأولى فقضيت فترة ما بين عامي 1984 و 1990 داخل المعتقل وخارجه. لا أذكر يوماً في هذه الفترة كنا قد اجتمعنا فيه نحن الأخوة الستة في ذات المكان، فنحن ستة أخوة وأخت، لم نجتمع مع بعضنا البعض طيلة هذه الفترة ولو ليوم واحد خارج المعتقل.
بعد عام 1990 هدأت الأمور قليلاً حتّى انتهاء الإنتفاضة الأولى، ثم بدأت الإنتفاضة الثانية، لكننا لم نشارك فيها، لكن سُجن أخي أمجد وحكم عليه بالسجن ست سنوات؛ وبينما كان في السجن أصيب باللوكيميا، فأُطلق سراحه بسبب مرضه الشديد وتوفي بعد ستة شهور، حاولنا أن نعالجه في مستشفى هداسا لكن ذلك لم يجدي نفعاً.
بعد ستة شهور تماماً وخلال اجتياح كنيسة بيت لحم، لم يكن مسموحاً لأحد أن يخرج من بيته، خرج أبي وهو في السادسة والخمسين من عمره ليشتري بعض الحاجيات؛ حيث كنت مع إخوتي نلعب الورق في البيت،- فكما ذكرت كان قلّما ما نلتقي سوياً فنتوق جداً لنكون معاً- وكنا في ذات الوقت نشاهد التلفاز اذ لدينا محطات تلفاز محلية وكنت أجلس مقابل التلفاز وإذا بي أقرأ اسم والدي على الشاشة- بأنه قُتل، وكان أول علمنا بالخبر إذ لم نكن قد سمعنا عن ذلك بعد.
إنّني أروي الحدث الآن، لكنني ما زلت لا أصدقه؛ فبدأ الناس بالاتصال بنا وكانوا قلقين عن كيفية إخبارنا، في البدء حاولوا التأكد إذا كان لدينا أي علم بالحدث أم لا، ولم يكن لدينا أية فكرة عن غرابة تصرفهم حتى قرأنا اسمه في التلفاز؛ فذهبنا بسرعة لموقع الجريمة للتعرف على جثته لكننا لم نستطع حيث كانت ممزقة، لقد أُطلق عليه 36 رصاصة من نوع 500؛ كان ذلك فظيعاً جداً وكان لم يمرّ بعد ستة أشهر على جنازة أخي. حتى هذا اليوم ما زالت إسرائيل تعتبرنا- أخي وأنا- إرهابيين وأنا متأكد من ذلك لأنّنا كنا كلنا أعضاء في الجبهة الشعبية، حتى ولو لم نعد نشطاء وقد قضينا محكومتينا لكل التهم التي نسبت إلينا بدون حتّى إثباتها لا بالأدلة ولا بالإعتراف.
أريد أن أوضّح أمراً هنا، قرارنا بعدم المشاركة في الإنتفاضة الثانية هو فقط لأننا أدركنا أنه لن ينتج عنها شيء جيد. الشعب هو الذي يقدم الكثير بينما القادة يجلسون على كراسيهم؛ مثل شارون. ابنه لا يذهب بالحافلة حتى لا يتآذى أبداً في عملية انتحارية، هذا من جانب, وعلى الجانب الآخر, طفلة عرفات في فرنسا ولن تتأذى أبداً, إذاً نحن فقط من يدفع الثمن. صحيح أننا قد نكون أكثر وطنية منهم لكن كأفراد توصلنا إلى استنتاج ينتهي إلى أن محاولة الاشتراك في الحوار سوياً بين الشعبين سيكون أكثر نفعاً من سفك الدماء, لأن سفك الدماء أنتج الأسرى والشهداء والجرحى والمقعدين، فإنّني أعيش في شارع لا يزيد طوله عن 100متر وهناك 13 شهيداً في هذا الشارع, وإنّ هناك فقط حائط يفصل بين كل بيت وبيت, أي أنّ في كل بيت شهيد أو أكثر.
إنّنا نعيش في "مخيم الدهيشة" في ظروف عيش قاسية وصعبة، الدمار من حولنا والإحباط يلازمنا اذ أنّ مجالات كسب العيش ضئيلة لنحيا حياة كريمة، وإنّ هذا أكثر ما دفعنا باتجاه محاولة إيجاد حل أفضل. بما أن هناك أشخاص من الجانب الإسرائيلي على إستعداد أن يستمعوا إلينا ويوصلوا ذلك إلى شعبهم، ومن جانبنا أيضاً ًلدينا أشخاص مقتنعون بهذه الفكرة لكنهم يحتاجون الدعم؛ فجاءنا خالد وبقية الشباب ليعلمونا بوجود هذا المنتدى، لذا إلتقينا وها نحن.
ما الذي جعلك تقرر بألا تسلك طريق الانتقام؟ ما هو السبب الذي جعلك تتغيّر؟ هل أنّ السبب في تغييرك هو فقدانك لوالدك أو أنّ هناك حدث شخصي سبب ذلك؟
دعني أقول لك شيئاً، يجب ألا يعتقد أحداً أنّهم أسكتوني بمقتل والدي أو شقيقي أو بتعذيبي في السجن، على العكس من ذلك، إنّ هذه التجارب جعلتني أكثر قوة وجعلتني أفكر أكثر فيما هو أفضل لنا، حتى لو سجنونني 50 سنة أو أكثر فلا يهمني, حيث كانت لي تجربة سابقة في السجن قضيت فيه ست سنوات وعشرة أشهر وسوف لا يكون هناك شيئا جديداً عليً لم أره.
أمضيت 36 شهراً في "سجن النقب" وكنت كل ما أراه هو الرمل، وكانت عندما تمر مجندة تبدو لي أنها مخلوق غريب أو شيء آخر من هذا القبيل! كانت العقارب تمتزج بطعامنا. إنّ ما رأيناه داخل هذا المعتقل كان رهيباً ولا يمكن أن يكون هناك ما هو أكثر اخافه سوى مستقبل أطفالنا والذي جعلونا نفكر به أكثر داخل المعتقل، لقد دفعت الثمن وكذلك أخي وأبي فلا حاجة لولدي بأن يدفع الثمن هو الآخر، إنّ هذا ليس من باب الاستسلام بل المسامحة ومن باب ما هو جيد للمستقبل ولأطفالنا، ويعتبر هذا هو الدافع الأكبر لسبب تغيري أو تغير طريقة تفكيري بالتعامل مع الواقع. إنّ تجربة أبي جعلتني أفكر بالواقع الذي نواجهه ، فالجندي الإسرائيلي الذي أطلق النار على والدي بستة وثلاثين رصاصة وليست واحدة فقط لأنّ الهدف لم يكن إخافته، وكان والدي يحمل كيس خبز وحليب لأفراد عائلته وليس سلاحاً ومن المستحيل أن تعتبر هذه غلطة.
إنّ المسؤولية الكبرى لوقوع العمليات التفجيرية تقع على عاتق الإحتلال الإسرائيلي، هذا في اعتقادي، ولا أسمي شخصاً يفجر نفسه بالإرهابي لأنّ هناك أسباب لما يفعله، بالطبع ،إنّ هذا خطأ وأنا لا أدعمه؛ فيوجد مسببات ودوافع كثيرة تضغط على حياة الفرد اليومية،على سبيل المثال قد يكون عاد إلى البيت ووجد أمه أو شقيقه قد قُتل أو قد يعود إلى البيت ويجد أنّ التيار الكهربائي قد انقطع وعلى ابنه إنهاء دراسته ولا يمكنه ذلك،أو يمكن إذا أراد أي شخص في المخيم الاستحمام بعد تعب النهار ووجد أن المياه قد إنقطعت [من القوات المسلحة الإسرائيلية]... فليس من العدل أنني أهرقت دماً وأمضيت وقتاً في السجن وفي النهاية لا يمكنني أن أعيش حياة كريمة، إنّ كل ما أريده هو أن أعيش حياة طبيعية. إنّ مثل هذه الضغوطات اليومية جعلتنا نبدأ أنا والذين يفكرون مثلي بالنظر إلى المستقبل البعيد لنحاول أن نحدث تغييراً، إنّه حلم وأيقظناه في داخلنا, رغم أنّه قد يكون بعيداً عن الواقع إلا أنّه يحق لنا على الأقل أن يكون لدينا أملاً.
كيف حدثت وفاة والدك وكيف أثر ذلك على حياتك؟
إنّنا لم نتوقع قط أن رجلاً مسناً مثل أبي قد يُقتل، كنا دائماً نظن أنه ربما أنا أو أحد أخوتي قد يُطلق علينا النار، لكن ليس أبي،مع أنّه لم يحسب لليهود حساباً قط حتّى حينما كانت الدبابة تقف أمام البيت فكان لا يخاف منها، اذ كان يعمل في إسرائيل وكانت لديه الكثير من العلاقات هناك لذا لم نتوقع أن ينتهي به الأمر هكذا. إنّه وقبل أن يتوفى بأسبوع، كان يأتي بسيرة الموت ويتمنى أن يصبح شهيداً، ولم يعني لنا شيئاً هذا الكلام في ذلك الوقت لكننا الآن ندرك ماذا كان يعني؟
في ذلك اليوم، أراد أبي أن يذهب ليبقى مع صديقه في مخيم عايدة للاجئين وأن يذهب إلى العمل في اليوم التالي من هناك، فإستحم وذهب عند صديقه. إتصل بنا من هناك بعد وصوله بنصف ساعة وقال لنا أنه سيعود إلى البيت وأنه سوف لن يقضي الليلة هناك. في طريق عودته اشترى بعض الخبز والحليب وكانت هناك دبابة عند "باب الزقاق" في بيت لحم، كان وهو قادم من إتجاه "القبة" التي هي على بعد 50 متراً من المكان الذي كانت فيه الدبابة، فأُطلق عليه الرصاص فمزق جثته ولو أنناّ لم نرَ هويته لما إستطعنا أن نتعرّف على جثته. لم يكن هناك جزءاً من جسده لم يُصب فالرصاص الذي أُطلق عليه من نوع 500 الذي يصل طول الواحدة منها إلى 3 أو 4 سنتيميتر، فتخيل ماذا ستفعل في رجل مسن مثله!.
هذا فجّر الكثير في داخلنا وغذى الكثير كذلك، كنا حينها بالكاد تخطينا فترة الحزن على أخي، الذي أمضينا معه ستة شهور في المشفى ونحن على علم أنه كان يحتضر، وصدقت توقعات الأطباء بأنه لن يعيش أكثر من ستة أشهر وبالفعل هذا ما حدث
إنّنا نشأنا ونحن نرى آباءنا وأخوتنا يُضربون ويُهانون داخل بيوتنا في المخيم،إضافة إلى ذلك لم يكن هناك أجواء تعليمية ولا بيئية مناسبة للحياة، كل ذلك خلق في داخلنا الرغبة لتحسين وضعنا. كان أمامنا النضال كوسيلة وحيدة للخروج من وضعنا المؤلم نتيجة الإحتلال وتداعياته، ولم نفكر في ذلك الوقت أنّه ممكن بالحوار تغيير وضعنا، لذا انخرطنا أنا وإخوتي في التنظيمات السياسية، مثل فتح أو الجبهة الشعبية، كنا نعتقد أنّ لا فرق في الانتماء إلى أي تنظيم طالما أنّ الهدف واحد وهو تحرير أرض فلسطين لأنّنا كنا نتطلع إلى الراحة والعيش الكريم، فمن حقنا أن نعيش في مكان أفضل نوعاً ما من مخيم اللاجئين، كالذين يعيشون في وسط تل أبيب مثلاً وأن نرى البحر.
إنّها كانت أحلام بسيطة وغير معقدة لكنّنا واجهنا الكثير من المشاكل بسببها، ولأجل الوصول إليها واجهنا الإسرائيليين، كان يتم إعتقالنا أحياناً، ونوضع تحت التحقيق وأحياناً كان يُطلق علينا النار أو أن تمارس علينا أنواع الضغوطات المختلفة لكسر عزيمتنا ونشاطنا الوطني مثل إيقاف والدي ووالدتي أو حتّى أختي كانوا يأخذونها إلى السجن أحياناً، لقد واجهت العائلة كثيراً من المعاناة والمشاكل منذ إعتقال أخي الأكبر ماجد في عام 1978 وحُكم بالسجن لأربع سنوات لانخراطه بالعمل السياسي وبعده أخي الثاني, وتبعتهما أنا في عام 1984.
كما ذكرت سابقاً، وهذا الحدث بالذات كان ممكن أن يعطينا دافعاً للنشاط ضد الإحتلال ولم يكن هناك ما يمنعنا سوى أنّنا بقينا نفكر في ذات الطريقة في مستقبل أطفالنا. كنا نأمل أن الإنتفاضة ستنتهي قريباً وأن الأوضاع ستتحسن. فبعد وفاة أخي بستة أشهر، إستشهد والدي،وحتى بعد هذا الحدث لم تكن لدينا ردة فعل سلبية. التقيت ببعض الأصدقاء الذين كانوا يعانون ذات المعاناة وبدأنا الحديث عن التحاقنا في "منتدى العائلات الثكلى".
قلت سابقاً أننا لم نذهب هناك لنجامل الإسرائيليين أو لنشكوا لهم همنا، لقد ذهبنا هناك حتى نجعل صوتهم أعلى ليصل إلى حكومتهم ويدعونا نحيى حياة جيدة، وليعلموا أن من حقنا أن نعيش حياة كريمة كباقي البشر، وأردنا كذلك أن نقول لهم أننا لسنا هنا [في ندوة في فندق في القدس] لنهرب من الضغوطات، بل لأننا نريد أن يعيش أطفالنا حياة أفضل من التي عشناها.
هل أنتم من اتصل بمنتدى العائلات الثكلى أو هم من اتصل بكم؟
لقد إنتشر الخبر في بيت لحم أنه كان هناك إسرائيليين يريدون التحدث إلينا، لذا كانت الترتيبات أن نخطط لإجتماع فقط لكي نتعرف على بعضنا البعض.
كيف عرفتم عن المنتدى؟
سمعنا عن وجود المنتدى من خلال صديقنا خالد أبو عواد، الذي تناقشت معه في الفكرة واستمع إلى أفكاري وقال لي: "بما أنك تملك هذه الأفكار فلماذا لا تساهم في خلق مجتمع أفضل؟" يجب أن نُقوي أصواتنا كفلسطينيين من خلال الإسرائيليين لأن هناك بعض الإسرائيليين الذين يؤمنون بحقنا في العيش الآمن، إذاً من يقول أنه ليس من حق الفلسطينيين أن يعيشوا ؟ وهكذا التقينا بهم وتحدثنا إليهم حتى نُسمع صوتنا.
هل بالإمكان أن تروي لنا إذا تأثرت لسماع قصة أحد الإسرائيليين وأنت ذهبت هناك بنفسك بالأساس لتخبرهم عمّا مررت به من معاناة ولتسمعهم صوتك؟
أعتبر ما يجري للإسرائيليين أمر محزن لكن لنسألهم لماذا يحدث هذا؟ ولماذا يفجر أحد نفسه هكذا ؟ يجب أن يعرفوا وأن يكون واضحاً لهم أن هذا الشخص الذي يفجر نفسه هو إنسان مرهق نفسيا من ممارسات الاحتلال، ولم يفجر نفسه لأنه سئم الحياة ولا لأنه ليس لديه عمل ولا يجد ما يقوته. إنّ ما يفعله خطأ لأنه يقتل أشخاصاً أبرياء تماماً كما يقتل الإسرائيليون أشخاصاً أبرياء, حتى الفلسطيني الذي يحمل السلاح هو بريء أيضاً، لأن ذلك نتيجة الضغط الذي يُمارس عليه، والإسرائيليون الذين يموتون في الباصات هم أبرياء كذلك.
بشكل عام في بيت لحم على سبيل المثال، لو قلت أنني على إستعداد أن ألتقي بالإسرائيليين لهدف تطبيع العلاقات سأواجه بكثير من المشاكل. لكن بالرغم من ذلك فأنا سأقول وجهة نظري لأنني أريد لولدي أن يعيش.أرغب في توضيح الفكرة في هذا السياق، فمثلاً عندما يعود أحد إلى بيته ويجد خطيبته وأمه قد استشهدتا، ماذا سيفعل؟ كما حدث مع شاب عندما عاد إلى بيته ووجد أمه وخطيبته قد استشهدتا، فذهب وفجر نفسه، ربما يقول البعض إنّ هذا ليس مبرراً ليفجر نفسه لكن تقع المسؤولية بالدرجة الأولى على جيش الاحتلال ومع أنّني لا أوافق على ما فعله لكن أحمل الإسرائيليين مسؤولية ذلك فهم السبب الأساسي لأعمال العنف. صحيح أننا من جانبنا لا نستطيع أن نغيّر قيادتنا السياسية أو نخلق قيادة تمثلنا، وأنّ قيادتنا تتخذ القرارات بدون أن تستشيرنا، لكن الإسرائيليين يمكنهم أن يقولوا لحكومتهم ما يشاؤون.
هل تعتبر نشاطاتك مع المنتدى "تطبيعاً؟
إنّني لا أعتبر هذا تطبيعاً على العموم, وإنّه رأيي ولدي مطلق الحرية أن أقوله ولا يستطيع أحد أن يحرمني من ذلك، لكن المشكلة أن أغلبية مجتمعنا لا تتقبل هذه الأمور، فليس كل شخص يمكنه أن يستوعب فكرة أنني أجلس مع شخص إسرائيلي، وأخبره عن مشكلتي وأستمع إلى مشكلته. إنّ الكثير لا يتوقع أن تكون لدي علاقة مع إسرائيلي ويعتبرونه أمراً مهيناً لي أن أخبر إسرائيلياً كيف إستشهد كل من أبي وأخي وكيف لا يعيش إبني حياة لائقة بينما الإسرائيلي يعيش حياة لائقة. يوجد الكثير من الناس في مجتمعنا الذين لا يتفهمون هذه الأمور اذ هناك الكثير من المتعصبين؛ لهذا سنواجه مشكلة هنا عندما نبدأ في المنتدى [منتدى العائلات الثكلى].
ماذا تعني بالمتعصبين؟
أعرف الكثير من المنظمات هنا التي كانت لديها علاقات مع الإسرائيليين وكانوا يعملون في تطبيع العلاقات وكانوا يهاجَمون من قبل الكثير من الفلسطينيين بشكل مستمر، وبعضها تم حرقها مثل مؤسسة [إبداع في مخيم الدهيشة لللاجئين] والتي تقع وسط المخيم، لأنهّ كان لديها برنامج للتطبيع مع إسرائيل ولحضور بعض الإسرائيليين إلى مقرها،تم حرقها وتدمير أجهزة حاسوب لديها بما قيمته نصف مليون دولار.
هل غيّر فيك سماع قصص العائلات الثكلى الإسرائيلية بشكل شخصي؟
بصورة أساسية، كنت أظن أننا نحن فقط الذين عانينا من الذي جرى وأننا نحن كنا الجرحى الوحيدين، لكن الآن أجد أن هناك أشخاص من الجانب الآخر الذين عانوا بذات الطريقة. لقد تحدثت إلى البعض منهم خلال الإجتماع، ولم نستطع أن نصل إلى من هو العدو؟ الإسرائيليون! هناك (في المنتدى) يمثلون واحد بالمئة من الثكلى في إسرائيل ونحن نمثل صفر بالمئة من الثكلى في فلسطين، إذاً من هو عدونا بالضبط؟ لقد تحدثنا عن هذا كثيراً خلال الإجتماع وكان هناك نقاش حول ذلك. في النهاية قررنا أننا نحن في منتدى العائلات الثكلى, الجانب المحايد بين الشعبين، ونحاول أن نكون أداة الوصل بين الفلسطينيين والإسرائيليين ممن هم مسئولين عن اتخاذ القرارات.
ماذا كان رأي أصدقائك وعائلتك؟ هل كنت معرضاً للخطر للقيامك بهذا العمل؟
لم أكن معرضاً للخطر، على العكس من ذلك، الكل شجعني كي آتي إلى هنا، لكنّني كنت متردداً بعض الشيء، وعائلتي شجعتني كما انّ أصدقائي أُصيبوا بالصدمة لا لأنهم يعارضون ذلك، بل لأنهم أرادوا أن يكونوا جزءاً منه كذلك.
ما الذي جعلك متردداً لتكون جزءاً من المنتدى؟
إنّ عدم فهم ووضوح الصورة لي عن كيفية عمل المنتدى جعلني متردداً ، حيث لم أشعر بألم العائلات الثكلى في الجانب الإسرائيلي, قبل ذلك، من الذين فقدوا أطفالهم في تفجيرات الباصات أو الجنود أعتقد أن اللوم يقع على الإعلام لأنه يعطي الصورة الخاطئة عنا والصورة الخاطئة عنهم كذلك، لكن لم يمر وقت من قبل كنا فيه قريبين بهذا الشكل.
ماذا كانت توقعاتك عندما إنضممت إلى المنتدى؟
لم تكن لي أي توقعات في البدء، اذ كنت لا أفهم ماذا كان يجري في المنتدى، لكن أصبح المنتدى بالنسبة لي بعد ذلك تحولاً كبيراً مما أعتبره قفزة نوعية. ربما كنت أكره كل ما يُدعى "يهودياً" وأكره الصهيونية، لكنني أحترم كل من يعترف بحقي بوطني وكل من يحترم رأيي، و كل من يفكر في مستقبلي كما يفكر بمستقبله أيضاً، إنّه واقع فُرض علينا ولم نختره، إنّما يجب المحاولة للعيش معه والتعود عليه، وإلا فليذهب كل منا في طريقه، ومن الأفضل أن نجد طريقة لنتعايش.
هل تخليت عن شيء ما لتصبح جزءاً من هذا المنتدى؟
إنني فقطّ تخليت عن مشاكلي وآلامي وأحزاني،فلا يمكنني نسيان والدي أبداً ولا نسيان معاناتي في السجن، من سيدفع ثمن هذا كله؟ لن أقبل أي تعويض عن ذلك أبداً فالتعويض الوحيد هو أن أرى أخي وابني يعيشان في سلام.
ماذا تأمل من هذا المنتدى؟
آمل لهذا المنتدى أن يتوسع، وأتمنى أن يدرك الإسرائيليون أننا مخلصون, كما آمل أن يوصل أعضاء المنتدى الإسرائيليين الرسالة لزملائهم من الشعب الإسرائيلي بأن كلا الشعبين يعانيان من الإحتلال, وآمل أن تستمع قيادتنا لشعبها أيضاً ولو لمرة واحدة. أتمنى أن يشعر الإسرائيليين ولو لمرة واحدة بأننا بشر مثلهم ولدينا مشاعر أيضاً وليس هدفنا القتل، نحن فقط نحاول ونسعى أن نحيا حياة كريمة لائقة لنا ولأطفالنا كبشر، كما أتمنى أن تأتي الفرصة التي نجلس بها لنتكلم عن إبتهاجنا وليس فقط عن تعاستنا وألمنا،أعتقد أن هذا كل شيء.
كيف تفسر للفلسطينيين وللإسرائيليين عن كيفية يساهم المنتدى في السلام الحقيقي غير الذي يشاهدونه على شاشات التلفاز؟
إنّ وجود أشخاص يجلسون للحوار ووجود أشخاص لديهم الرغبة بأن يفهموا ماذا يجري من حولهم يعمل على تخفيف التعصب؛ فهناك بعض الأصدقاء لي في جامعة بيت لحم ممن هم على استعداد أن يجلسوا ويتحدثوا عن هذا الموضوع بإسهاب، كما أنّهم مستعدين أن يذهبوا إلى إسرائيل ليتحدثوا في المدارس، وأن يستقبلوا الإسرائيليين ويتحدثوا معهم. عندما نمنح أحداً الأمل بالحديث عن طرق ممكن أن تعمل على تحسين حياتنا وإيقاف العنف وأن نمنحه الأمل في مستقبل أفضل حتى لو كان ذلك مجرد حلم، أعتقد أنّنا بهذا نوفر له هدفاً يسعى إليه رغم أننا حالياً ليس لدينا ما نسعى إليه.
أخذنا نطالب بأراضي1948 في عام 1967 لكنهم لم يعطونا شيئاً، ثم أخذنا نطالب في أراضي 1967، وبعد ذلك بتنا نطالب بإزالة حواجز الطرق! نحن نطالب الآن بإزالة الجدار الفاصل وتخلينا عن المطالبة بأراضي 48 و 67 وإزالة حواجز الطرق. إن حلمنا يضمحل بشكل مستمر ومطالبنا تتلاشى ولا نحصل على شيء. كنا نطالب بأراضي 1948، قالوا لنا بإمكانكم أن تأخذوا أراضي 67 لكننا رفضنا، ثم أصبحنا نناضل لنحصل على أراضي 67 لكنهم قالوا يمكنكم أن تأخذوا فقط 47٪ من أراضي 67 لكننا رفضنا مرة أخرى؛ بينما في الوقت الحالي نطلب منهم, إزالة حواجز الطرق حتى نستطيع أن نذهب إلى القرية المجاورة، إن حلمنا يضمحل تدريجياً.
ما هو السبب في رأيك الذي يجعل الحلم يضمحل؟
إنّ السبب يعود للإسرائيليين الذين يزدادون قوة، كما أن السبب يعود أيضاً لقيادتنا الفاسدة التي لا تهتم بشيء سوى مصالحها الخاصة و للجهل تأثير أيضاً بهذا الخصوص، فإن إنساناً بمنزلة أبي مازن كرئيس للحكومة، لا يريد إلا أن يُبقي مصنع الباطون التابع له يعمل, فهو لا يهمّه مثلاً شخصاً مثلي من الدهيشة لا يمكنه مشاهدة التلفاز منذ السابعة مساءً حتى السابعة صباحاً لأن التيار الكهربائي ينقطع وهذا يحدث كل يوم،كما لا يهمه أن تتعطل ثلاجتي بسبب إنقطاع التيار الكهربائي، وأنه عليّ أن أشقى بالعمل حتى أستطيع أن أشتري ثلاجة جديدة، وهو يعيش في قصر... أبو عمار كذلك، كان لا يهتم، كانت الفواكه تأتيه بمروحية من مصر، ونحن-شعبه- نعيش في وضع سيء للغاية. في ذلك اليوم قال لي ضابط المخابرات في عصيون أنهم أجروا إستفتاء بين الفلسطينيين ووجدوا أن 85٪ منهم يؤيدون عرفات. أنا في الثانية والثلاثين من عمري ولم يسألني أحد قط فيما إذا كنت أؤيد أبا عمار أو لا، إذاً أين كان هذا الإستفتاء؟ من هم الذين سألوهم؟ هنا تكمن أساس المشكلة، اذ كان لدينا حلم كبير لكنه ظل يضمحل حتى تلاشى ولم يعد لدينا أي حلم.
زوجتي في السابعة والعشرين من عمرها ولم ترَ البحر منذ 10 سنوات، اذ لا يمكننا حتى أن نذهب لنرى البحر، هل يمكن تخيل هذا؟ وأطفالي لم يروا البحر عن قرب فقط رأوه في التلفاز, وهل يمكن تخيل أنه ليس لدينا حتى هذا الحلم؟ لذلك عندما أتحدث مع الشباب أمنحهم الأمل والطموح وأنه سيكون لديهم ما يسعون إليه، وإن لم يكن من أجلهم فمن أجل أطفالهم، وعندما يقتنعون بهذه الفكرة ينقلونها للجيل القادم وهكذا.
هل تعتقد أن ما تقوم بفعله الآن هو الحل؟
لم يُجدِ أي شيء آخر بالنفع لحل الصراع، فلقد ناضلت وكنت في السجن لستة سنوات وعشرة شهور ولم أحصل بالنتيجة على أي شيء بل على العكس فقدت حلمي وفقدت أخي ووالدي. هذا ما يحصل آخرين يناضلون ولن يحصلوا على أي شيء بالمقابل وقد يفقدوا أهلهم أيضاً أو على الأقل أحد أفراد العائلة وقد يفقج البعض أطفالهم دون أن يحصلوا على أي نتيجة؛ لذا بدأت أفكر بطريقة أخرى غير المقاومة, وبدأت أفكر في طريقة لأقنع عدوي ليؤمن بحقوقي، فإذا بقيت أفكر في منطق المقاومة لن يبقى هناك أحد ليقاوم.
هل كنت ناشطاً في المقاومة قبل إنضمامك إلى منتدى العائلات الثكلى؟
لا، بل أنّني أوقفت نشاطي منذ عام 1990؛ بعد خروجي من السجن، عام 1991 بدأت أفكر في نفسي، فكنت قد تعبت من السجن وتعبت لفقداني أخي وعدم قدرتي استيعاب أنّني لا أستطيع رؤيته ثانية. خرجت من السجن وأنا لم يكن لدي مستقبلاً مبنياً أعتمد عليه؛ كنت قد نجحت في التوجيهي ورغبت في الذهاب إلى روسيا لأدرس طب الأسنان، وكنا ما زلنا تحت حكم الإحتلال الإسرائيلي، الذي لم يسمح لي بالسفر بعد أن سجلت في إحدى الجامعات الروسية آنذاك وحجزت تذكرة السفر،اذ أنّهم خيروني بين أن أتعهد أن أظل خارج البلاد لعشرة سنوات أو أن لا أذهب إطلاقاً، وإنّ دراسة طب الأسنان تتطلب فقط من أربع إلى خمس سنوات فماذا كنت سأفعل بباقي السنوات المتبقية هناك؟ فلم أذهب ولم أدرس وبدأت أفكر في نفسي وبناء مستقبلي بطريقة أخرى مثل البحث عن أي عمل وبناء أسرة، منذ ذلك اليوم حتى الآن لم أنشط في المقاومة لا أنا ولا أي أحد من أفراد عائلتي، لكن الإسرائيليين لا يتركوننا وشأننا.
إن من يعتبر عدوي هو ليس الشعب الإسرائيلي الذي يجلس في بيته، إنّما عدوي هو الذي يصنع القرارات والذي لا يهتم لأمري ولا حتى لأمر الشعب الإسرائيلي نفسه. كما قلت سابقاً أولاد شارون لا يذهبون بالباصات حتى لا يصابون بالأذى،وعرفات كذلك لن يُقصف بيته و زوجته وطفلته في فرنسا. إنّ صانعي القرار لا يتضررون, بل الذين لا يصنعون القرار لذلك عليهم أن يفعلوا شيئاً من أجل حياتهم؛ وفي نفس السياق فإنه من المهم لنا نحن كفلسطينيين أن نقوم بشيء من أجل حياة أفضل، ليس فقط أن نقاوم العنف بل أن نخطط لحياتنا التي تسير في ذات النمط، أيضا .
أين ستنطلق بعدما كنت منخرطاً في هذا العمل وأصبحت على علم بأعمال الآخرين في هذا المجال ؟
سأبدأ بإقناع الآخرين بمحاولة إيجاد طرق أخرى للنشاط والحد من العنف، حيث لا أريد لأحدٍ أن يتأذى ويمر بمثل ما مررت به؛ لذلك هذا ما أحاوله مع ابن شقيقتي في الوقت الحاضر، فهو مطلوب لدى الإسرائيليين ولديه صديق مبعد إلى غزة وآخر قد إستشهد أو في الواقع هما اثنان اللذان قد استشهدا وصديق رابع قد أُبعد إلى إيطاليا وخامس سُجن، اذ كانوا هؤلاء مجموعة من الأصدقاء, وحتى هذا اليوم ما زال الجنود يأتون للبحث عن إبن شقيقتي. أنا سعيد جداً لأنني إستطعت أن أغير بعض أفكاره بمحاولة إقناعه أنّ إطلاق النار على الجنود الإسرائيليين لن يجدي نفعاً، وأن يظل مطارداً طيلة الوقت. أقول له: "لن يمكنك أن تعيد صديقك الذي إستشهد، ولا يمكنك أن تعيد صديقك المبعد من إيطاليا، ولا حتّى يمكنك أن تعيد صديقك الذي في غزة، أمّا صديقك الذي في السجن لن يخرج قبل أن ينهي محكوميته، فوجّهت له بعض الأسئلة مثل: "كيف يمكنك أن تجد طرقاً لتحد من العنف؟" وأجابني: "أنهم هم الذين لا يتركوننا وشأننا"، قلت له: " دع الأمر لي".
أروي هذه القصة ليس فقط لأنه إبن شقيقتي بل لأن هذا جزء من عملنا. إستمريت بالتحدث إليه، وجعلته يقيم في بيتي لمدة سنة بالرغم من أنه كان مطلوباً، اذ كانوا يبحثون عنه في كل مكان في بيوت عائلتنا لكن كنا محظوظين أنهم لم يأتوا إلى بيتي قط. لم يعد الجيش يبحث عنه كما كان يبحث في السابق, لأنّهم لم يعودوا مشددين جداً عليه اذ لم يعد ناشطاً، صحيح أنه كان ناشطاً في السابق ولم يُحاسب على ذلك، لكنّه الآن أوقف نشاطه، لو استمر في القتال و في إطلاق النار عليهم عندها كان سيُقتل تماماً مثل أصدقائه، بينما اليوم يندم على ما قام به ويقول أنه لا يريد سوى أن يتركوه وشأنه، إنّه جزء من عملنا، بأن نجعل الناس يعرفون أن العنف هو ليس الطريقة المثلى لإنهاء الصراع ولا يعيد الأموات إلى الحياة،بل يجب أن نبحث عن حياة كريمة للجميع وأن تكون لي عيشة محترمة في بيتي كباقي البشر، كي تتاح لي الفرصة في التفكير في مستقبل ولدي ولكي أحاول أن أعوضه الحرمان الذي عشته من خلال علاقاتنا مع الناس.
إنّ المنتدى ليس فقط من أجل أن نلتقي بأشخاص جدد وأن نسافر من مكان إلى آخر، لو كنت أفعل هذا فقط فلن أكون قدمت شيئاً للفلسطينيين ولا للإسرائيليين،بل إنّنا نحاول أن نجنب الآخرين الأذى الذي واجهناه، هذا ما نؤمن به- أن لا يتآذى آخرون مثلنا.
ماذا عن ردود الناس من حولك؟
يوجد حولي من هم ضد التطبيع ويوجد بعض الأشخاص ممن يؤيدون الحوار،عندما عدت من المنتدى فكرت في الفكرة في داخلي وكانت هذه المرة الأولى التي أتناول فيها موضوع التطبيع في ذهني بشكل جدي. تحدّثت إلى أخي وأخبرته عن عزمي في الذهاب ولقاء الإسرائيليين في المنتدى، فشعرت بالراحة بعد أن قال لي, أن ما أقوم به هو الصواب، لم أتوقع الجوّ الذي قابلته بالمنتدى بعد أن وصلت إلى هناك، اذ توقعت أن الناس الذين فقدوا أحداً سيكونون متحفظين أو ستكون هناك حواجز بيننا. عدت بعد ذلك إلى البلدة وكنت خائفاً ومتكتماً بعض الشيء،اذ لم أشأ أن يعرف الناس عن ذلك- وأعني انتسابي للمنتدى - تحدثت إلى صديقي المقرب عن ذلك ووجدت أنه تقبل الأمر حتى أنه قال لي: "أتمنى لو أنني كنت معك" ممّا جعلني أشعر بالراحة، وبعد ذلك تحدثت مع شخص آخر وشعرت بالراحة أكثر لتقبله الفكرة. كل أصدقائي الآن يريدون أن يكونوا أعضاء في المنتدى، اذ نظر إليه البعض كمنفذ، والبعض الآخر كشيء جديد يمكنهم أن يقوموا بفعله في حياتهم، وهناك البعض الذين رأوا أنه يعكس هذا الصوت الصغير الذي في داخلهم والذي يقول: "لقد تعبنا من الوضع، ونريد أن نرى شيئاً جديداً لنا ولأطفالنا" حيث أنّهم أرادوا فعل أمراً جديداً.
شعرت بالدعم والقبول من الناس حولي بشكل عام ولم أعير اهتماماً للذين سيراقبونني، ممّا جعلني أبدأ بالتكلم عن تجربتي بشكل علني، فتكلمت عن الوقت الذي أمضيته في فندق "الإنتركونتننتل" وعن لقائي بالإسرائيليين وكيف حدثتهم عن وجهة نظري واستمعت إلى وجهة نظرهم، وكيف أنهم غيروا الكثير لدي، ذهبت إلى جامعة بيت لحم وتحدثت إلى عدد من الطلاب ووجدت أن البعض منهم على استعداد أن يجلسوا مع الإسرائيليين ويتحدثوا معهم و يتبادلوا الأفكار معهم. إنّنا نواجه بالطبع بعض الصعوبات في عملنا مثل النقص بالتمويل،اذ لا يمكنني أن أحتمل تكلفة شراء جهاز كمبيوتر أو حتى أن أتقدم بطلب تصريح لأتجول،إذا لم يكن هناك من يمول فكرة كهذه فمن الصعب تطبيقها.
إن الناس الذين يعارضون هذه الفكرة هم أشخاص سطحيون، ليس لديهم ما يقومون به غير ذلك, ففي مجتمعنا الناس يكرهونهم لأن كل ما يقومون به هو الحديث عن ما يقوم به هذا الشخص أو ذاك، ربما يظنون أنفسهم أنبياء وأن لديهم الحق في أن يحكموا على الناس مع أن لو قيّمناهم سنجد أنهم أسوأ نوع من الناس، لكن إذا جلسنا مع أحدهم وكان متشدداً برأيه للغاية حول أمر ما سنجد أنه يمكننا بسهولة أن نغير هذه الفكرة، لقد جلست مع أحدهم مرة و استطعت أن أغير فكرته عني حتى أنه كان على إستعداد أن يأتي معي إلى المنتدى. يوجد هناك الكثير ممن يعارض هذه الفكرة حتى لو بالخفاء، فكما يوجد مؤيدون يوجد أيضاً معارضون, ولا أتفاجأ لو حرق أحدهم منزلي. استطاع أحدهم أن يحرق مركز معد بالأجهزة بقيمة مليون دولار مثل "إبداع"، المركز الوحيد لأطفالنا في الدهيشة... اذ كان الأطفال ينامون ويستيقظون وهم يحلمون به، لأنهم كانوا يذهبون هناك يقرأون القصص، ويلعبون في الألعاب على الكمبيوتر، ويأخذون دورات في الإنترنت. كان ذلك بمثابة شيء كبير بالنسبة لطفل من مخيم الدهيشة الذي لا يحتمل أهله تكلفة تدريسه في خارج المخيم، لكنه أُحرق؛ لذا لا تتفاجأ إذا حرقوا بيتي كذلك، في النهاية أنا لا أهتم إليهم.
الآن لدي فكرة أؤمن بها يمكنني إما أ
الآن لدي فكرة أؤمن بها يمكنني إما أن أحميها أو أن أجلس في البيت ولا أفعل شيئاً من أجلها وكما قلت سابقاً "لا أريد أن أرفه عن نفسي إنّما أريد أن أحمي وأدافع عن معتقداتي بطريقة لا تلحق بي الأذى ولا تمس بهؤلاء الذين يعتقدون أنه ليس من الصواب أن نجلس مع الإسرائيليين" إما أن تكون لدي القدرة لأقنعه بمعتقداتي أو على الأقل ليس عليه أن يعترض طريقي، هكذا رسمت مستقبل أطفالي.
هل تعتقد أن الخوف يلعب دوراً؟
بالنسبة لي لا. ما سبق ورأيته في حياتي هو النقيض لما أقوم به الآن وأسوأ مما سأراه نتيجة إنخراطي في فكرة جيدة، اذ أنّ الإسرائيليون سجنوني لست سنوات وعشرة شهور لكنهم لم يستطيعوا أن يغيّروا ما أؤمن به. أنا غيّرت أفكاري عندما إقتنعت من الإسرائيليين، وليس بسبب الضغط ، لكن لأنني إقتنعت أنه ليس هناك طريقة أخرى لنقوم بهذا. إذا كتب أحد عني و لقبني بالخائن، فليس لدي أية مشكلة لأنني أستطيع أن أدافع عن نفسي.
هل تروادك شكوك فيما إذا كنت تقوم بالشيء الصحيح؟
عندما أتحدث عن فكرة أو أي شيء آخر فهو فقط لكوني مؤمن بها وإلا فلا. فقبل انخراطي بالعمل في المنتدى فكرت جيداً ثم اتخذت قراري.
كيف غير هذا العمل حياتك؟ وكيف أثر على عائلتك، وعلى أصدقائك؟
لم يغيّر هذا العمل حياةَ من هم حولي، لكنني أحاول أن أقنعهم بفكرتي ، فكلما ازداد إيماني بها كلما إستطعت أن أعمل بها أكثرفعلى سبيل المثال: لقد حصل شقيق زوجتي على درجة الدكتوراة في العلوم السياسية ويريد أن يفتتح مؤسسة تختص بشؤون الطلاب، ومن الطبيعي أن يرتاد على هذه المؤسسة الكثير من الطلاب لتوجيههم إلى التعليم الجامعي في الخارج، ممّا يمكنني أن أنقل فكرتي لهؤلاء الطلاب من خلال هذه المؤسسة، وإنّها فرصة مهمة جداً.
يجب أن ننمي هذه الفكرة عند شخص ناضج، شخص يمكنه أن يؤثر على مجتمعه. للطالب دور مهم في المجتمع، فإنّه يمثل أهم قطاع في المجتمع ويجب أن يعرف أكثر عن فكرة اللاعنف، في اعتقادي أنه لو نجحنا أن ننشر آراءنا في المدارس فسيكون ذلك مثل تحرير فلسطين.
هل انخراطك في هذا المجال يعتبر نادراً؟
إنه نادر وخطر في الوقت ذاته، فمن ناحية اجتماعية يخاف المرء أن يخسر كل علاقاته وأقربائه ومجتمعه وأصدقائه، فليس من السهل على المرء خسارة شيء بعد أن كوّن علاقات جيدة في المجتمع من حوله فالناس يقسمون بحياتي, وهذا كسبته بالذات عندما تم التحقيق معي لـ 80 يوماً ولم أتفوه بكلمة، اذ أن الجميع يعرف أنني رجل محترم ولا أريد لذلك أن يتأثر بشكل سلبي ولا بأي طريقةٍ كانت. الأمر الوحيد الذي تغيّر بعد انخراطي بالعمل في هذا المجال هو أنه كانت يداي تسبق تفكيري دائماً بينما الآن أُغلّب الفكر على اليدين، نعم أحتاج لأن أحمي نفسي، ولكن ليس بإطلاق النار على من يعتدي على بيتي، بل بأن أكون محترماً وأن لا أعطي مجالاً لأحد أن يسيء إلي. لذا أصبحت أفكر بالإسرائيليين في الجانب الآخر بطريقة أخرى،مثلاً أُفكر لو أنّني ذهبت إلى شارع رقم 60 وأطلقت النار على أحد الإسرائيليين هناك، فذلك الإسرائيلي هو ليس من قتل والدي ولا أخي ولا هو من أخذ أرضي.
إذا عُدّت في التفكير بالتاريخ فانّ هذا سيعيدني للتعصب. إنه واقع فُرض علينا ، أن نعيش مع الإسرائيليين، فليس من الممكن أن يعود اليهود الذين جاؤوا من أمريكا، وليس من الممكن أن أخرج من مخيم الدهيشة وأعود إلى رأس أبو عمار. لا أريد سوى أن تكون حياتي أفضل, اذ يمكن أن تكون لي دولة وكيان دون أن أقتل إسرائيلياً، وهذه الفكرة أصبحت تسيطر علي بأن يجب أن أوقف القتال والعنف.
هل تشعر أن إنتمائك تغيّر في هذا العمل؟
لا، على العكس فإنّي أشعر أن انتمائي الآن أكثر قوة عن ما كان عليه من قبل، لأن فهمي إزداد. كانت يداي تسبق تفكيري، كما ذكرت سابقاً، وإنّ هذا الأمر جعلني معقداً، فالأشخاص الذين تستبق أياديهم تفكيرهم هم متخلفون، ولم يكن هناك من يوجّه سلوكنا، ففي أيام السجن على سبيل المثال، عندما كنت أجمع 500 سجيناً وأحدّثهم، لم يكن هناك شخصاً واحداً ليقول لنا: "دعونا نفكر في شيء آخر غير لغة القوة"، لم يحصل هذا إلا في نهاية الإنتفاضة الأولى فقط حين تبادر إلى ذهن القليل من الناس إمكانية الحوار، وفكروا في الناس الذين يعانون، إنّه واقع وفُرض علينا وليس أمامنا سوى أن نتقبله،فليس من الممكن أن يغادروا البلاد ولا من الممكن أن نغادرها نحن، إذاً لماذا لا نبحث عن قاسم مشترك بيننا: أن نتعايش دون أن نسيء لبعضنا البعض؟ لم يفكر أحد بهذه الطريقة من قبل، إنّنا نفكر في هذه الطريقة فقط في الوقت الحاضر، ولا بأس في ذلك فأعتقد أنّنا أكثر نضجاً في الوقت الحالي عمّا كنا قبل ،اذ أن تجربتنا أصبحت أكبر بعد خوض كل الأساليب، وهم كذلك خاضوا أساليب عدة دون جدوى؛ فعلى الإسرائيليين أن يصلوا إلى هذه القناعة لأنهم إذا هدموا منزل رياض فرضاً فلن يهدموا عزيمته بل على العكس سيجعلونه أكثر إصراراً.
إنّ العنف يولد المزيد من العنف، لقد جربت كل أنواع العنف ولم أحقق شيئاً بل على العكس, خسرت صحتي ولم أستطع إنهاء تحصيلي العلمي على الرغم أنّني قرأت كل الكتب الموجودة في السجن لكنني لا أملك شهادة. إنّني أتكلم من القهر والذّل الذي رأيته في السجن،لقد أُطلق علي النار وفقدت والدي وأخي وفقدت جاري وجار جاري و فقدت صديقي، لقد فرّغونا من الداخل ولم يعد لدينا مضمون، نحن نستيقظ ونأكل ونذهب إلى العمل وهذا كل شيء ليس هناك رؤية جديدة لحياتنا، كل هذا الضغط في داخلنا الذي دفعنا لنبحث عن حياة جديدة وليس الضغط من الإسرائيليين.
على من تضع اللوم؟
هذا صعب في الحقيقة، لا أعرف. سؤالك صعب...
هل تلوم شخصاً ما، أو وضعاً ما أو...؟
لا أستطيع توجيه اللوم إلى أي أحد، لا للإسرائيليين ولا للوضع ولا حتّى لأبي عمار وليس لأنفسنا أيضاً اذ لا يتحمل أحد مسؤولية ما حدث. في الماضي كان أبي يهتم بإطعام أطفاله ولم يكن لديه الوعي الكافي ولا الوقت الكافي ليقول لي أن لا أخرج وأرمي الحجارة ولا الزجاجات الحارقة، هذه أمور لم تكن من ضمن تجربة أهالينا في الحياة حيث كانوا يجهلون تلك الأمور، أما اليوم فأنا أقول لابني بألا يرمي تلك الأشياء. كان سقف الإنتفاضة الأولى هو رمي الحجارة ولقد حققت أكثر مما حققته الإنتفاضة الثانية أو حتى ما تم تحقيقه منذ 1948
إن الذين عسكروا الإنتفاضة هم السيئون، لم يكن من الصواب عسكرة الإنتفاضة، أي إستعمال السلاح. لو أنها ظلت إنتفاضة جماهيرية لكان الرأي العام وقف إلى جانبنا، لكننا خسرنا كل شيء، فأصبح يُنظر إلينا على أنّنا إرهابيين ومجرمين بينما كان يُنظر إلينا كأصحاب حق، لقد ساءت سمعتنا في كل أنحاء العالم ولا أحد أصبح يحتمل أن يسمع بالفلسطيني،مع أنّنا كنا نلقى احتراماً أينما ذهبنا لأننا كنا نطالب بحقوقنا بطرق قانونية، كنا نحتج ونرمي الحجارة على الدبابات بينما الآن نطلق النار ونفجر أنفسنا ونقتل. الجميع يتحمل المسؤولية في اعتقادي ولا يستطيع أحد تحمل الحياة في ظروف كهذه في الوقت ذاته دون أن يفعل شيئاً حيالها.
ما هو الشيء الذي يلهمك أكثر؟ أو من هو ملهمك؟
إنّ ما يدفعني للعمل هو, طموحي في العيش في أمانٍ وليس أي شيء آخر..
هل كونك عضو في منتدى العائلات الثكلى ساعدك في لقاء أشخاص لم يكن بإمكانك لقائهم ولو لم تكن في هذا العمل؟
كانت تلك المرة الأولى في حياتي التي ألتقي وأجلس وأستمع بها لإسرائيلي يعاني مثلي وجهاً لوجه، فكنت أسمع في الأخبار أو من الأصدقاء الذين كانوا يعملون لدى الإسرائيليين عن إسرائيليين فقدوا إبناً أو أحد أفراد العائلة. كانت هذه المرة الأولى التي أعيش تجربة رؤية إسرائيلي متأثر عاطفياً لأنه فقد شخصاً عزيزاً تماماً مثلي، وكان لديه الاستعداد لأن يجلس مع فلسطيني يشعر بذات الشيء، و في ذات الوقت إنه هو المسبب لما حدث لي لكن لم أكن المسبب لما حدث له. أقصد أنني لم آخذ أرضه بل هو الذي أخذ أرضي،على سبيل المثال, الإسرائيلي روني الذي جاء إلى المنتدى لأنّه فقد ولديه الاثنين, فلم أكن السبب في ذلك بينما هو المتسبب في فقداني أبي وأخي لأنّه هو الإسرائيلي وهو الذي فُرض علي. سأشرح الأمر: لقد كنت جالساً في أرضي فجاء هو وأخذها، لذا فُرض علي أن أتعايش معه ويمكنني استيعاب ذلك، لكن عندما جاء وقتل أبي وأنا لم أقتل أباه، فلدي حق هنا عنده، و بما إنه لا يمكنني أن أطرده من أرضي فعلي أن أجد طرقاً لأتعايش معه، إنّها حقيقة وعلينا تقبلها والعيش معها، فإنّني على استعداد أن أتعايش معه لكن عليه أن لا يلحق بي المزيد من الأذى.
لم أحلم قط أن أجلس مع "روني"، اذ لم أفكر قط أنني سأجلس مع إسرائيلي يوما ما وأن أرى كم يعاني مثلي تماماً، وكم يتألم من أجلي لأنني فقدت أبي ولأنني أعيش في الدهيشة بينما هو يعيش في تل أبيب وكم يتألم لأن لديه كهرباء في منزله وأنا ليس لدي، إنه لمن الجيد جداً أن نرى أن هناك من يتألم لألمنا. هذا ما جعل الفكرة تتعمق داخلنا، أن نعرف أن هناك أشخاصاً يؤمنون أن من حقنا أن نبني دولة خاصة بنا، وأنّ هؤلاء الناس هم جزء من الإحتلال بل أنّهم جزء من إسرائيل، فهم يقولون أنه من حقنا أن نقيم دولة على أراضي 67 لكن في ذات الوقت إنهم يحتلون أراضي 67 لكن من الجيّد أن نرى أن بعض الإسرائيليين يقولون: "لا للاحتلال".
ما هي طموحاتك وآمالك ؟
إنّ أقل ما نطمح إليه هو أن نعيش مثل بقية الشعوب في العالم، ليس فقط مثل الإسرائيليين، بأن نعيش في دولة ولو صغيرة؛ يكون لها استقلالها الخاص في جميع النواحي وخاصة الاقتصادية منها بالموارد الطبيعية، وألا نعتدي على أحد ولا أحد يعتدي علينا، وكذلك أن يكون لدينا كياننا الخاص وسيادتنا على القدس التي نحلم بها طيلة الوقت، كما أطمح بتحرر المعتقلين وبأن ينام الأطفال بسكينة ويشترون ألعاباً بعيدة عن الآليات العسكرية مثل لعبة الدبابة أو المسدس.
أريد لأولادي أن يتعلمون لأفتخر بهم، وهذا أملي وأظن أن هذا طموح بسيط، فإنّني لا أتطلع بأن أصبح من أصحاب الملايين أو أن أعيش في الولايات المتحدة، أريد العيش في بلدي، ربما لن أستطيع إعادة أرضي لكن يجب أن أحصل على شيء منصف في المقابل. إنّ طموحي أن يكون لي دولة على أرض بلادي وليس من المهم أن تكون أراضي إلـ 48 فإنّني أكتفي بأراضي إلـ67، لكن أن أعيش عليها في حرية وأمان وأن تكون لدي حرية التنقل، حتى إذا خرجت من البيت فلا تقلق علي زوجتي ولا أقلق عليها أنا ولا على الأطفال.
ماذا يتطلب لنصل إلى هذا؟
في متابعتنا للأخبار أو الوضع السياسي الذي نعيشه، فإنّنا نجد أنه في الوقت الحاضر حتى التنظيمات السياسية الفلسطينية المتعصبة مثل الجهاد الإسلامي وحماس يطالبان بأراضي 67، فالتعصب والرفض يأتي من جهة الإسرائيليين الذين لا يريدون إعطاءنا إياها. على الرغم من أنّنا نطالب بأراضي إلـ67 إلا أنّنا لا يمكن لنا إقامة الدولة عليها، فهناك مستوطنة على بعد كيلومتر واحد مني ومن المستحيل أن تزيلها إسرائيل والتي تحتل حوالي نصف مساحة بيت لحم وفي معظم مناطق إلـ67 كذلك الأمر.
كما أنّ الجدار الفاصل الذي يقومون ببنائه الآن ابتلع مساحة كبيرة من الأراضي، إذا ًماذا تبقى من أراضي 67 ؟ أظن أنّ قولنا هذا هو كلام في الهواء. إن غزة تضايق الحكومة الإسرائيلية فهي تؤثر عليهم بشكل غريب اذ لا يمكنهم التعامل معها رغم أنّ الإسرائيليين لا يتأثرون، لكن إذا رفضت سلطتنا (السلطة الفلسطينية) أن تعمل في الجوانب الإجتماعية سيتأثر الإسرائيليون جداً، وعند ذلك فقط سيهتمون بتقوية السلطة الفلسطينية. فلو أنّ السلطة الفلسطينية قوية لما حدث أي من هذا، ولو استلم حزب العمل الحكم في الحكومة الإسرائيلية ربما يحدث تقدماً ما في العملية السلميةً، لكن طالما شارون والليكود وجميع المتعصبين هم المسئولون فلن يحدث شيئاً أبداً. أتعرفين لماذا لا يزيلون المستوطنات؟ لاستخدامها في المفاوضات والمساومة عليها مع اللاجئين وحق العودة, فلو سألوني كشخص مقيم في مخيم الدهيشة إذا كنت سآخذ شقة في إفرات، سأوافق، والكثير أيضاً مثلي سيوافقون بدلاً من العودة إلى أراضي 48. إن الإسرائيليين يعتبرون مشكلتهم الأساسية في عودة اللاجئين، خاصة هؤلاء الذين في الأردن، لكن أنا واثق أنه إذا جاء لاجئ من الأردن فلن يروق له الوضع وسيقرر عدم العودة، اذ يعتقد الإسرائيليون أن عودة ثلاثة ملايين شخص يمثّل عدد سكان دولة بأكملها وعدد الفلسطينيين الموجودين هنا على أرض فلسطين حوالي أربعة ملايين، إذاً سوية سنصبح أكثر من عدد الإسرائيليين بمرتين...
إنّنا لا نطالب بحق العودة فالذي يفاوض على حق العودة هو نفسه ليس لاجئاً، فليس هناك لاجئ يتكلم بإسمه لأنني واثق أنه لو كان هناك إستفتاء بين اللاجئين سيقبل جميعهم بالتعويض والحصول على أراضي 67 ولن يطالبوا بأراضي إل48 فأنا واثق من ذلك، فقط من أجل الحصول على حياة لائقة.
ماذا تعني لك كلمة السلام؟
لم أعشّه قط. لم نعشه بصدق فقط نقرأ عنه بالكتب، لم نعشه إطلاقاً، فبالتالي لا أستطيع تعريفه، هل يمكن أن يكون هو السلام مع الاقتحامات للبيوت والتخويف و.. و.. كتلك المرة التي حصلت عندما كان من المفروض أن يأتي أحد من مؤسستكم (جست فيجن) وتم إلغاء الزيارة بسبب الاجتياح المرعب للمخيم في حينها، لقد اقتحموا منازلاً عديدة في الحيّ عندنا منها منزل شقيقتي، وعندما أصبحوا قريبين من بيتنا، أخرجت كل الأوراق من منتدى العائلات الثكلى ووزعتها في البيت لتكون واضحة للعيان حتى أخفف من غضبهم اتجاهي، فأنا من عائلة فرج التي لديها سجل سيء عندهم وصور أبي وأخي الشهيدين معلقة، كما أنّ لدي أنا نفسي ملف أمني كبير عندهم. ارتعب أطفالي وأخذت زوجتي صفاء تقرأ القرآن الكريم لكنني كنت أهدئ من روعها بأن أقول لها: "أنهم لن يأتوا" حتى أنني وضعت تصريحي الذي إنتهت صلاحيته مع بطاقة الهوية حتى يعرفوا أنني حصلت على تصريح مرة، فالحصول على تصريح يعني النظافة الأمنية من وجهة نظرهم.
هل هناك أمل؟
لقد زُرع الأمل مؤخراً، والآن نحاول أن نزرعه في الآخرين حتى لا يؤمنوا بالعنف بعد الآن.
ما هو برأيك أكثر إعتقاد خاطئ عن هذا العمل؟
لم يكن لدى الناس إعتقادات خاطئة، لقد كانوا جاهلين، لم يكن لديهم أحلام ولا طموحات ولم يكن لديهم وعي. لقد ناضل المقاومون ليس لأنهم غير ناضجين بوعيهم بل لأنّه لم يكن أمامهم سوى المقاومة، لكنها لم تجدِ نفعا ولم تؤتي بثمار، على العكس لقد خسروا، فطريقتنا في المقاومة كانت أن نرمي حجراً، أن ندخل في مشاحنة مع جندي إذا دخل المخيم وأن نكتب على الجدران ونتحدث إلى الناس لنحاول أن ننظمهم ليكون العمل الوطني منظماً أكثر وليس عشوائياً. لهذا كان الإسرائيليون ينقمون علينا فنحن الذين كنا نتكلم إلى الناس ونعلّمهم عن المقاومة، وعلى العكس الآن نحن الذين نؤمن أن المقاومة لم تجدِ نفعاً ولم تحقق شيئا، بالعلم والوعي يمكن أن نحصل على ما نريد وليس بالجهل والعنف، فمن الأفضل أن نجعل الناس أكثر وعياً وأن نوسع الفكرة في أدمغتهم؛ فكم حافلةً تُفجر في إسرائيل كل شهر؟ 4 أو 5؟ فإنّنا لا نحصل على أية فائدة من هذا، الشوارع تُنظف في اليوم التالي ويستمرون في حياتهم, فقط الذين ماتوا دفعوا الثمن والآخرون يذهبون إلى العمل في اليوم التالي، وكذلك الحال عندنا، لقد أُطلق النار على أبي ومات، لقد حزنّا عليه ثلاثة أيام واليوم ما نسمعه هو: "رحمه الله" لماذا يجب أن يحدث لنا هذا؟
إلى أي مدى أنت على إستعداد أن تكمل في هذا المسار؟
كما قلت سابقاً، حتّى أحصل على ما أريد، فهدفي ليس مجرد أن أبني صداقات مع الإسرائيليين وبناء علاقات، فأنا لدي الكثير من الأصدقاء هنا، فحلمي أن أذهب إلى أرضي أو التي كانت أرضي متى أشاء وأقضي فيها وقتاً ممتعاً وأن يمكنني أن أذهب إلى إسرائيل في أي وقت أرغب فيه بشكل قانوني دون تصريح أو إذن إلى جانب الهوية،لا أريد أن تكون لدي علاقات مع الإسرائيليين فقط بهدف العلاقات بل من أجل أن أغذي الحلم الذي بداخلي، ألا وهو أن أستطيع أن أكون في أي مكان في أرضي. نعم هناك حوالي عشرون ألف عامل يذهبون في الوقت الحالي إلى إسرائيل بدون تصاريح ويمكن لفترة، لكنّني أحلم بأن لا يمكنهم أن يضعوا الحواجز ليمنعونا من الذهاب إلى إسرائيل، فإنّه سيكون من السار لو استطاع إسرائيلي أن يأتي إلى بيتي دون أن يشعر بالخوف، سأفرح لو جاء إسرائيلي هنا وأستطيع أن أحميه، ولا أحد يستطيع أن يمسه بسوء لأنه معي، لكنه سيكون من السار أكثر لو أنه جاء هنا وهو يشعر بالأمان، كما سيكون من الجيد أنه إذا ذهبت لزيارته يكون السرور بيننا وليس الشعور بالألم لأنه يتألم من أجلي؛ أتمنى أن تكون العلاقة أكثر نضجاً تجمع المحبة أواصرها وبأن أذهب عندك لأنك صديقي ليس لأنني أحتاجك وتأخذ صورة الصداقة الأكيدة. إنّه لمن دواعي السرور أن تكون بيننا نحن الفلسطينيون والإسرائيليون مودة في العلاقة، لكي ننمي تفكيرنا ونستطيع أن نتكلم إلى الناس الذين يكرهوننا، إنّه صعب جداً لكنّه سينجح مع الوقت، فإنّ هذا يتطلب إرادة قوية وإبعاد اليأس. لا أريد فقط من الفلسطينيين أن يبدأوا بمودة الإسرائيليين، بل أريد شيئاً بالمقابل فعلى الإسرائيليين تقديم شيئاً أيضاً، مثلاً أن يتفهم الإسرائيليون الفلسطينيين وأن يعمل الإسرائيلي من جهته مثل الفلسطيني، لكي نحصد إنجازاتنا معاً من أجل أطفالنا، فأنا أكره أن يقول أطفالي: "أكره الإسرائيليين" رغم أنهم لا يعوا المعنى لما يقولون ولا يمكنهم استيعاب مثل تلك كلمات.
كنت تقول شيئاً عن إبنتك قبل قليل، هلا أخبرتني المزيد عن ذلك؟
كل صباح قبل أن أذهب إلى العمل تقول لي إبنتي أنها تريد أن تذهب معي إلى العمل، لكنها قالت لي مرة: "بابا، لا تذهب إلى العمل" فسألتها لماذا، قالت لي: "لأنه هناك اجتياح عند مدخل المخيم"، فهذا مؤثر بالنسبة لطفلة في الثانية من عمرها.
