« المقابلة | أبرز المقاطع في المقابلات

مقابلة مع

هلا أعطيتنا لمحة عن حياتك الشخصية و أخبرتنا كيف إنخرطت في هذا العمل؟

     ادعى سامي الجندي  ولدت في القدس، في حارة الشرف التي سميت بعد سنة 1967 بحارة اليهود, عام 1962، في يوم من ايام شهر شباط شديد البرودة. لم أولد في المستشفى بل في المنزل ، لكن منزلنا كان  دافئاًً لأنه مكتظا، و يقال أن المطبخ كان أكثر دفئاً من باقي المنزل لذا ولدت هناك. عشت في ذلك الحي حتى حرب عام 1967، حيث تم إخلاء الحي من سكانه العرب، فانتقلت عائلتي إلى جمعية المكفوفين العربية حيث كان أبي يعمل هناك. فشطرنا قاعة الجمعية إلى قسمين لنتشارك في سكنها  مع عائلة أخرى، تفصل بيننا خزانة، بقينا عل تلك الحال ثلاثة اشهر. انتقلنا بعدها إلى حارة السعدية بالقرب من باب الساهرة ،و ما زالت عائلتي تقيم هناك حتى الآن.  

     في سن الخامسة ذهبت إلى الروضة في حارة النصارى. وفي عام 1969   انتقلت إلى المدرسة العمرية وكنت في السابعة من عمري، ثم إنتقلت إلى مدرسة القادسية و درست فيها من الصف الخامس الأساسي حتى الصف السادس الأساسي، و بعد ذلك أكملت الصفين السابع و الثامن في مدرسة خليل السكاكيني و من ثم مدرسة عبد الله بن الحسين.

    
تابعت تعليمي في السجن الذي قضيت فيه معتقلا من عام 1980 و حتى العام 1990 بسبب انتمائي لحركة فتح، و كان اعتقالا سياسياً. بعد العام 1990 عملت مراسلاً في اتحاد المعلمين الفلسطينيين في الأراضي المحتلة. و في الأعوام 1993 حتى العام 1996 عملت في المركز الفلسطيني لدراسات اللاعنف. و في تلك الفترة تعلمت عن نشاطات و فعاليات اللاعنف و إكتسبت الكثير من الخبرة لتحضير و تنظيم إجتماعات ضد العنف؛ العنف الأسري، و العنف السياسي، والعنف الفكري. كنا نقوم بأنشطة توعية و كان لنا أيضاً   أنشطة أخرى مشتركة مع الجانب الإسرائيلي في ذلك الوقت. و كانت المرة الأولى التي ألتقي فيها إسرائيليين انقاشهم كممثل عن الجانب الفلسطيني، و بدأت من بعدها العمل بالنشاطات الإسرائيلية الفلسطينية المشتركة و حينها أدركت أن   هذا العمل يمكن أن يساعد المنطقة و الناس للوصول  لظروف حياة أفضل بغض النظر عن الدين و الجنسية. وأدركت أيضاً أن اللاعنف هو  وسيلة أكثر حضارية و فعالية من الوسائل العنيفة  لتساعد الفلسطينيين في الحصول على حقوقهم.


    في العام 1995 و أثناء عملي في مركز اللاعنف شاركت في أنشطة مع مجموعة من الإسرائيليين و الفلسطينيين. كنا نعقد إجتماعات و نطرح بعض الأفكار لمساعدة الأطفال -لأن الأطفال هم المستقبل-. كنا نعقد إجتماعتنا في المطاعم أو الفنادق أو في بيوت بعض المشاركين، بهدف تأسيس منظمة تهتم بشؤن الأطفال الفلسطينيين و الإسرائيليين، فهناك كثير من الأطفال في الشوارع و هذا يخلق الكثير من المشاكل الإجتماعية. إن التفاهم بين الإسرائيليين و الفلسطينيين إذا بدء في عمر مبكر بمكنة خلق ظروف أفضل في المستقبل و يبني جسوراً من الثقة بين الشعبين. إستمرت هذه الأنشطة   لسنتين و كان من بين المشاركين فلسطينيين من كل المناطق.


   عام 1996 خلال أحد هذه اللقاءات إلتقيت بزميلي و صديقي نيد الذي طرح علي فكرة "بذور السلام". و عرض علي أن أكون جزءاً من تجمع كبير تضم نشاطاته أطفال من فلسطين و إسرائيل و الأردن و مصر. كان ذلك أكثر مما كنت أحلم. لقد كانت تلك مفاجئة غيرت مجرى حياتي. أن العمل مع مجموعة شاملة لهذا الحد كان بمثابة تحقيق حلم لي. و بدأنا نشاطاتنا في "بذور السلام" في غرفة صغيرة في (رحاڤيا) في القدس الغربية. و إستمرينا بالعمل بشكل إنفرادي ومشترك مع الأطفال. كنا نخطط معهم للنشاطات. و كنا نعقد لقاءات في المدارس الفلسطينية و الإسرائيلية. كان الهدف من هذه اللقاءات أن يقول الطلاب لزملائهم كيف إختلفت نظرتهم للصراع و للمستقبل و للطرف الآخر قبل و بعد إلتقائهم بالطرف الآخر. و كان هناك الكثير من اللقاءات في المدارس الفلسطينية و الإسرائيلية في مختلف المناطق. و في العام 1999 تم إفتتاح المركز كنتيجة عمل دؤوب و مضني. لقد إستنفذ طاقاتنا أنا و نيد. و من بعدها جاء بعض الأشخاص الذين سبق لهم و أن شاركوا في المخيم الصيفي "لبذور السلام" في أمريكا لمساعدتنا في العمل، لقد كان هؤلاء ناشطين و فاعلين جداً في مجال الانشطة المشتركة. أذكر منهم روي شارون الذي كان له دور فعّال و إيجابي جداً في النشاطات و الذي نفتقده جداً الآن.

كيف تصف نشاطاتكم للذين لا يعرفون شيئاً عن "بذور السلام"؟

إن نشاطاتنا قائمة على أساس بناء جسور للثقة بين الطرفين؛ الفلسطيني و الإسرائيلي. و بين المسلمين و المسيحيين و اليهود و الدروز. إنها تهدف لإعطاء فرصة لكلا الطرفين لإظهار الجانب الحضاري و الإنساني لشعبه، ذلك الجانب الذي لا يظهره الإعلام. فالإعلام يظهر الفلسطيني على أنه إرهابي و الإسرائيلي على أنه محتل و مستوطن و جندي. العالم يشاهد الإعلام لكنه لا يشاهد الجانب الإنساني للشعب الفلسطيني، لذلك فإن مهمة الأطفال المشاركين في الوفد الفلسسطيني أن يظهروا هذا الجانب للشعب الفلسطيني و الذي لا يعكسه الإعلام. العالم يجب أن يعلم أن الأطفال الفلسطينيون هم بشر لهم مشاعر و آمال و أحلام. و الوفد الإسرائيلي بدوره عليه أن يمثل شعبه و يعكس الجوانب الحضارية لشعبه و التي لا تظهر من خلال الإعلام. و الهدف الآخر من هذه النشاطات هو إعطاء الفرصة للأطفال للتعرف على قيادات حقيقية في العالم. إن تعريف الأطفال بأن هذه القيادات كانوا يوما أطفالاً مثلهم تظهر لهم بأنهم هم أيضاً ممكن أن يصلوا إلى مراكز حساسة و مهمة تمكنهم من حل الصراع أو أية مشكلة أخرى في المستقبل. وهذا أيضاً يزودهم بالفرصة و الخبرة ليصبحوا قيادات في مجتمعاتهم. و بالإضافة إلى ذلك نقوم  بعقد دورات أكاديمية يعطيها خبراء في حل الصراعات و النزاعات. أن ما نقوم به هو تفعيل دور الشباب في حل الصراع العربي الإسرائيلي لأننا نشعر أن دورهم شبه مهمش في هذه القضية و جزءاً منهم دوره سلبي و عنيف و بعيد كل البعد عن الطرق الحضارية. نحن نزود الشباب بخيارات مختلفة لحل الصراع   عما كان متوفر لديهم.

هل تجري النشاطات في المركز؟

نعقد لقاءات في المدارس و هي مهمة جداً لأنها توسع دائرة المعرفة عن الطرف الآخر. و ليس من الضروري أن يكون الأطفال الحاضرين في المدارس   أعضاء في منظمة "بذور السلام".  هذه اللقاءات تعطي الأطفال فرصة للتعرف على أطفال من جيلهم  من الطرف الآخر و سماع آرائهم حول الصراع و القضية. على الأطفال قبل أن يذهبوا إلى هذه اللقاءات في المدارس أن يكتسبوا خبرات ويتم ذلك من خلال جلسات الحوار. و كان لنا حتى قبل 7 شهور 12 مجموعة للحوار. يناقش فيها الفلسطينيين و الإسرائيلين الأحداث الماضية و الراهنة. و تكون النقاشات حادة جداً ولكنها تنطوي تحت مظلة الحوار و الإستماع للرأي الآخر. كلهم مستعدون للإستماع للطرف الآخر و لهم الفرصة ليعبروا عن رأيهم بغض النظر عن   الإتجاه. إن إبداء الرأي و الإستفادة من آراء الآخرين هو شيء مهم جداً. و بعد المشاركة في هذه المجموعات الحوارية يقابل الأطفال طلاب من الشعبين في المدارس و يطرحون تصوراتهم حول الصراع قبل و بعد المشاركة في اللقاءات. و يتحدثون أيضاً عن أحلامهم و تصوراتهم المستقبلية.

  نقوم أيضاً بور ش عمل لمواضيع مختلفة مثل الإعلام و كيفية استخدامه، وعن حقوق الإنسان، و عن العادات و التقاليد في الجانب الآخر. و نقوم بزيارات متبادلة في البيوت من الطرفين للتعرف على التقاليد. و في معظم الأحيان يكتشف الكثيرون أنهم يتصرفون بشكل مشابه   للطرف الآخر لأننا كلنا بشر. و يتم من خلال هذه النشاطات التعرف على الأديان الأخرى و كيف تتصرف كل طائفة  بأعيادها من مسلمين و مسيحيين و يهود. فالمسلمون و اليهود يتعرفون على المسيحية، و المسيحيون يتعرفون على الديانة الإسلامية و اليهودية وهكذا.


   و لنا أيضاً نشاطات "البيت المفتوح" و تخصص للأهالي؛ فلسطينين و إسرائيلين، حيث يأتي الأهالي إلى المركز ليلتقون بأهالي زملاء أطفالهم. ثم طورنا هذه النشاطات إلى ورشات عمل و جلسات حوار للأهل أنفسهم ليناقشون آرائهم السياسية مثلما يناقش أولادهم ليشعروا بما يفعله أطفالهم. و قمنا سابقاً ،عندما كانت الظروف تسمح بذلك، بعقد ورشات عمل   للإسرائيليين و الفلسطينيين  في الأردن و في مصر. و تم حينها عقد لقاءات و نشاطات في المدارس الأردينية و المصرية. و جاء الأردنيون و المصريون إلى هنا أيضاً و شاركوا الفلسطينيين و الإسرائيليين نشاطاتهم. و كان كل طرف يتبادل المبيت في بيوت الطرف الآخر. و في المركز قمنا بعمل ورشات عمل كبيرة للفلسطينيين والإسرائيليين و للنشطاء من الولايات المتحدة كي يشعر المشاركون هنا أنهم ليسوا وحدهم و أن هناك من يشاركهم أحلامهم و آرائهم عن اللاعنف. و قمنا أيضاً بعمل ورشات مماثلة في قبرص. لقد تم إفتتاح المركز عام 1999 لكن لدينا نشاطات في شمال البلاد ووسطها و جنوبها وكل المناطق الفلسطينية و الإسرائيلية و ليس في المركز فحسب.

عقدنا أيضا دورات حول الإعلام و كيفية إعداد و كتابة و صياغة التقارير الإخبارية المصورة و غيرالمصورة لوسائل الإعلام المرئية و المسموعة و المقروءة . كان الهدف من ذلك تشجيعهم على الكتابة على مجلات الحائط لمدارسهم أو الكتابة لنشرتنا الخاصة "غصن الزيتون". ونشجعهم أيضاً على كتابة آرائهم حول الأحداث الجارية على موقع الإنترنت الخاص بنا. لقد قمنا خلال السنوات الثماني   الماضية بإنتاج فيلم وثائقي مدته 75 دقيقة بعنوان "سلام العقل" صوره الأطفال أنفسهم. و يعرض فيه الفلسطينيون و الإسرائيليون تجاربهم الشخصية وواقعهم و قصصهم العائلية و نظرتهم إلى الصراع.

  وكان لنا أيضاً أنشطة مسرحياً، حيث قام أطفال فلسطينيون و إسرائيليون من "بذور السلام" بإنتاج مسرحيات تعرض في المدارس الأخرى تناسب الأطفال من جيل 7 إلى 12  سنة. و قام الأطفال أيضاً بالتمثيل في هذه المسرحيات. الأفكار  في هذه المسرحيات هي أن التعايش و الإحترام المتبادل ممكن وأن هناك طرقاً أخرى غير التي نراها في التلفاز. و قمنا بعمل ورشات عمل للفلسطينيين من الجانب الفلسطيني و للإسرائيلين من الجانب الإسرائيلي كذلك. و لنا نشاطات كثيرة جداً مثل "أحضر صديقك". لدي هنا 7000 صورة و مائة فيلم مسجل تمثل فعاليات و نشاطات قمنا بها، تظهر أناساً من بينهم الأطفال و أهاليهم و هي بمثابة أرشيف لنا.
 

ما الذي جعلك تؤمن بفكرة اللاعنف؟

كفلسطيني كنت أعتقد أن تحقيق أهدافنا الوطنية ؛بالاستقلال واقامة  الدولة الفلسطينية،  لن يتم  إلا عن طريق الحرب و الكفاح المسلح ، حيث أن الإسرائيليين استخدموا العنف عام 1948 لبناء دولتهم و تحقيق أحلامهم. و كنت أعتقد بالبداية أن العنف هو الطريق الوحيد .  هناك كثيرون يؤمنون بهذه الطريقة. لكن مع مرور الوقت توصلت أن هناك ما هو أشمل من كونك فلسطيني أو إسرائيلي و هو كونك إنسان. الدائرة الصغيرة هي الفلسطيني و الدائرة الصغيرة الأخرى هي الإسرائيلي، و إذا بقيت أفكر بهذه الطريقة قد أبقى رهيناً في هاتين الدائرتين. و لكن هذا خطأ علي أن أخرج إلى الدائرة الإنسانية العالمية التي تتخطى البعد الضيق. لقد تخطت الدول الحدود،   فمثلا ً أوروبا فيها الاتحاد الأوروبي الذي يضم عشرات الدول الأوروبية التي ينتقل فيها الإنسان ببطاقة الهوية فقط. تخطى الأوروبيون الدائرة الضيقة التي تميز بين جنسياتهم المختلفة. و أدركوا أن الكثير من المصالح تربط بينهم و هي أقوى من الإختلافات الجنسية. بالرغم من أن الإنجليز و الفرنسيين كانوا أعداء لمئات السنين و كذلك الألمان و الفرنسيين.

    لقد وجد الأوروبيون أن المصالح الأكبر هي مصالح مرتبطة ببقية البشر و قائمة على البعد الإنساني. هذا الإنفتاح في العلاقات يساعد التبادل التجاري و الحضاري. هناك الكثير من الطرق غير الضارة و التي هي أفضل من طريق الحرب   التي إختبرها الأوروبيون  قبل و بعد الحرب العالمية الأولى والثانية. كثير من الدول لا زالت تسلك طريق الحرب، أمريكا على سبيل المثال ما زالت تستخدم الحرب كوسيلة و لم تأخذ العبرة من الحروب الماضية. لقد جربت الكثير من الدول الحرب و العنف و قدمت خلالها ملايين   الضحايا و بعد أن دُمرت تلك الدول كلياً إكتشفت أنها لم تحقق شيئاً من الأهداف التي أرادتها من الحرب مثل اليابان و ألمانيا. لكنهم سلكوا مسلكاً آخر بعد الحرب؛ مسلكاً حضارياً و إنسانياً أكثر من طريق الحرب، استطاعوا من خلاله أن يحققوا كل الأهداف التي لم يستطيعوا تحقيقها بالحرب و هذه المرة بدون ضحايا و بتكلفة أقل. فلماذا نسلك طريقاً سلكها   غيرنا من قبل و أُثبت أنها خاطئة؟ الفلسطينيون و الإسرائيليون أيضاً جربوا هذا الطريق و شجبوها.

   وجودي  في المعتقل أثّر في آرائي. فقد عانيت بسبب الصراع و بسبب أيماني بالعنف. أمضيت عشر سنوات في السجن و هو وقت طويل. لكنني إستفدت كثيراً من تلك التجربة. لقد قمت بتغير آرائي   بصورة كبيرة. خلال تواجدي في السجن تعمقت في دراسة تاريخ و تجارب الشعوب. و إستنتجت أن  هناك طرقاً أخرى تتلائم معنا كشعب فلسطيني و كبشر. فالشعب الفلسطيني جزء لا يتجزء من البشر في هذا العالم. و بعد إضطلاعي على تجارب الشعوب و فلسفاتهم و من خلال مطالعاتي أدركت أن الطريق الأفضل للشعب الفلسطيني أو أي شعب آخر هو الطريق القائم على الإحترام. حتى لو كان قلب العدو أسود فلا بد أن يكون لديه جانب من النور، صحيح قد يصعب إيجاد هذا الجانب لكنه ليس بالشيء المستحيل. الفرق بين الصعب و المستحيل أن الصعب يمكن تحقيقه. البعض يدعي أنه من الصعب إيجاد هذا الجانب الخيّر، أكيد هو صعب لكنه ليس مستحيل.

    إن قناعتي بهذا الطريق يزداد يوماً بعد يوم  بروؤيتي للأطفال المشاركين في نشاطات "بذور السلام". عندما أرى صورهم في المخيم الصيفي و كلهم يرتدون الزي الأخضر يصعب أن أميز من بينهم   الفلسطيني أو الأسرائيلي أو الأردني أو المصري أو الأمريكي. فكلهم بشر و كلهم تبدو على وجوههم نفس الإبتسامة و التفاؤل و الأحلام. إنهم يريدون أن يعيشوا مستقبلهم فلماذا لا نمنحهم الفرصة ليبنوا مستقبلهم كما يرونه هم و ليس كما يراه غيرهم؟ و هذا لن يتم إلا إذا وفرنا لهم الفرصة ليحققوا آمالهم وأحلامهم. فهم يريدون أن يدرسوا و أن يتعلموا. كل جيل له ميزاته التي تختلف عن الجيل الذي سبقه، و كل جيل يتعلم من الأجيال التي سبقته و يضيف لها. هذا يثبت أن الإنسان دائم التعلم لأن الأجيال القادمة تضيف إلى خبرة و معرفة الأجيال الحاضرة.

ما هي أهم الصعوبات و التحديات التي تواجهها في عملك؟

   إن الأشياء السهلة ليست ممتعة. إذا كانت نشاطاتنا تجري بسهولة فلا متعة فيها و لا نشعر حينها أننا نقوم بعمل مميز. إن الجانب الجميل في عملنا هو أنه مليء بالصعوبات. إن اللذين يخوضون نضال العنف و النضال المسلح يدعون أن هدفهم هو تحقيق الإنتصار. الإنتصار يعني أن هناك طرف رابح و آخر خاسر والربح سيكون على حساب معاناة الطرف الآخر. و طريق اللاعنف الذي يهدف لبناء جسور من الثقة بين الناس لتساعدهم في بناء مستقبلهم بأيديهم و في تحقيق الحلول التي تجدها مناسبة، هو أيضاً طريق مليء بالأشواك لأن بعض الناس ينظرون إليها بعين الشك. هذا مؤلم لكنه إيجابي في الوقت ذاته لأنه يحفزنا على بذل قصارى جهدنا لنثبت للمنتقدين لهذا العمل أن ما نفعله هو لأجلهم..

    و بعد عملي ثماني سنوات في هذا المجال لم يعد الكثير من الناس و من بينهم أصدقاء مقربون لي يكلمونني، منهم من يلقي التحية لا أكثر. ذلك لأنني أعمل في اللاعنف أو ما يسمونه بالتطبيع. و عملنا أبعد ما يكون عن التطبيع لأن الوضع ليس طبيعياً، فلو كان الوضع طبيعياً لما كانت هناك حاجة لنا لتسهيل اللقاءات المشتركة و لكانت هذه اللقاءات حدثت من تلقاء نفسها. لكن بما أن الوضع ليس طبيعياً فنحن نعمل من أجل جعله طبيعياً. إن هدفنا هو مساعدة الناس على العيش بكرامة و تحقيق أحلامهم. إن آرائي السياسية لم تتغير فأنا ما زلت أؤمن أنه من حق الفلسطينيين أن يكون لهم دولة مستقلة ضمن حدود 1967، و أنه يجب إزالة المستوطنات و حل مشكلة اللاجئين. إن تفكيري السياسي لم يتغير لكنني أؤمن أن الطريق لتحقيق أهدافنا يتم عبر التفاهم و التحاور مع الطرف الآخر. و من حق الطرف الآخر أيضاً أن يحقق أحلامه. أنا لا أعتقد أنه   يجب تدميرهم حتى أعيش أنا بسلام. بل إذا عاش كل منا بسلام سأكون أنا أسعد. و أنا لا أجد أن هناك مشكلة في بناء علاقات مستقبلية حسنة مع الإسرائيليين.

ماذا تعني لك كلمة التطبيع و ماذا تعني للآخرين ؟

   هذه الكلمة جاءت بعد مؤتمر كامب ديڤيد بعد قيام السادات بزيارة القدس و الكنيست الإسرائيلي، قام بزيارته هذه و كأن الوضع طبيعي جداً بعد حرب 1973 بست سنوات. لقد كان التحالف الدولي في تلك الفترة غريباً جداً. لم يكن هناك قوة عظمى واحدة في العالم بل كان كل من الإتحاد السوڤيتي و الولايات المتحدة قوى عظمى. جاء السادات إلى إسرائيل ليعقد معها معاهدة سلام. فبعد أن جرَب السادات الحرب كوسيلة لحل المشكلة وجد أن أفضل طريقة هي التحدث مع الإسرائيليين بشكل مباشر. كانت تلك الفترة التي بدأت أن أدرك فيها ماذا يحدث من حولي في المنطقة. و كانت تلك أول مرة أسمع بكلمة التطبيع. كانت كلمة خبيثة و تحمل في طياتها معان مهينة وكانت بمثابة إهانة، لأنها نتجت عن معاهدة إنفرادية بين مصر و إسرائيل. لقد كانت مصر تمثل القلب النابض للوطن العربي و بمعاهدتها الإنفرادية و تطبيعها مع إسرائيل شعر العرب بأنه لم يعد لديهم قلب. و نتيجة لذلك شنت الدول العربية حملة إعلامية واسعة ضد مصر لأنها أبرمت معاهدة كامب ديڤيد مع إسرائيل. و شاعت كلمة التطبيع بعد ذلك و أصبح كل من له علاقات باليهود و الإسرائيليين مطبّع. أما المفهوم السياسي للكلمة فهو إقامة علاقات مع الإسرائيليين أياً كان نوعها؛ أدبية أو ثقافية أو تعليمية أو إجتماعية أو زراعية و غيرها، و هذا هو مفهوم الكلمة في الصحافة العربية و الإعلام العربي.



  أنا أرى أن التطبيع هو أن تتعامل مع الوضع غير الطبيعي  و كأنه طبيعي. و عندما تتعامل على هذا الأساس فأنت مطبّع. نحن في "بذور السلام" نتعامل مع الوضع على أنه غير طبيعي، و نعمل من أجل جعله طبيعياً. خلال عملي في السنوات الثمان الماضية قاطعني العديد من الأصدقاء لكنهم مع مرور الوقت بدأوا يتفهمون طريقي و حتى أن البعض منهم طلبوا الإنضمام للعمل معنا. و هناك الكثير من الأهالي الذين كانوا معارضين لنشاطنا في البداية، أصبحوا الآن يريدون لأولادهم أن يشتركوا معنا. هناك الكثير من الأشخاص-بدون ذكر أسماء- كانوا ينتقدون البرنامج و يكتبون ضدنا في الإعلام أصبحوا الآن يدعموننا. أحد الصحافيين المعروفين قال لي أنه كان معارضا لطريقتنا و لكنه   الآن يجد أننا نعمل بجد و أننا نشيطون. و سألني إذا كان بإمكان إبنته أن تشارك في نشاطاتنا، و بالفعل شاركت إبنته في إحدى المخيمات الصيفية.

   أصبح هناك تراكم كمي هائل من النشاطات، و هذه النشاطات غيّرت نظرة الكثير من الناس للبرنامج بعد أن كانوا ينظرون إليه بطريقة سلبية. و الكثير ممن يعارضون إتفاقيات السلام يقولون لنا أنهم لا يتفقون معنا و لا مع طريقنا لكنهم بالرغم من ذلك يحترموننا لأننا نعمل شيئاً. إن سمعة "بذور السلام" الجيدة هذه ما هي إلا نتيجة النشاطات الكثيرة. هذه النشاطات حافظت على آراء الشباب الفلسطيني و جعلتهم سفراء، يمثلون فلسطين في مناطق مختلفة مثل أمريكا و أوروبا. إن الفلسطينيين الذين شاركوا في نشاطاتنا واعون جداً و يمثلون فلسطين في مناطق عديدة، و الكثير منهم يدرسون في جامعات الولايات المتحدة. إنهم صوت فلسطين، و مبادءهم ما هي إلا نتيجة دراستهم للقضية الفلسطينية. بعد إنضمامهم   لبرامجنا و مشاركتهم في نشاطاتنا يصبحون أكثر إهتماماً بالقضية الفلسطينية و يبدأون بالبحث عن معلومات أكثر. فهم يشاركون بلقاءات حوارية مع الإسرائيلين، لذا فعليهم أن يعرفوا أكثر عن القضية الفلسطينية  حتى يستطيعوا أن يقنعوا زملائهم أن آرائهم لها أساس و لا تأتي من فراغ. لقد خُلق جيل واع. و الأهم من هذا أنهم يريدون
  أن يتكلموا و يعبروا عن أنفسهم و يستمعوا إلى غيرهم أيضاً. هذا جانب إيجابي و إنساني للشعب الفلسطيني. و لقد ساعد في تغيير الفكرة الموجودة عند الكثيرين أن الفلسطينيين إرهابيين. إن الكثير ممن إلتقوا مع هؤلاء الشباب في الولايات المتحدة أو في مناطق أخرى من العالم  أصبحت لديهم  نظرة موضوعية للفلسطينين. و أدركوا أن الشعب الفلسطيني مثله مثل باقي شعوب العالم؛ يريدون التعلم و قد أرسلوا أولادهم و بناتهم إلى الخارج من أجل ذلك.

ما برأيك هي الإعتقادات الخاطئة لدى الطرفين عن بعضهم البعض؟

   أكبر اعتقاد خاطئ لدى الجانب الفلسطينني عن الجانب الإسرائيلي هو أنه لا يمكن التعامل مع الإسرائيليين إلا بالعنف و أن الإسرائيليين لا يمكن أن يرضوا عن الفلسطينين أو يوقعوا معهم إتفاقية تضمن لهم حقوقهم. و الإسرائيليون يعتقدون أن الفلسطينيين لن يسامحونهم أو يعفون عنهم أبداً و هم يظنون أن الفلسطينيين يريدون قتلهم و إبادتهم إذا ما سنحت لهم الفرصة. الكثير لديهم هذا الإعتقاد. إن هذا الإعتقاد الخاطىء السائد خطير جداً لأنه يجعل بناء الثقة بين الطرفين أمراً صعباً. عندما يشارك الأطفال في نشاطات بذور السلام يستنتجون أن تغير هذه الأفكار أمر ممكن. إن الإسرائيلين دائمو القلق على أمنهم، لكن التوصل معهم إلى إتفاق ممكن. على الإسرائيلين ان يدركوا أنه إذا حصل الفلسطينيون على حقوقهم فإنه   يمكن بناء علاقات مشتركة و تحقيق التعايش. هذه الفكرة شائعة لكن خلال الأربع سنوات الماضية من الإنتفاضة، كان للأفكار العنيفة أثراً سلبياً على برنامجنا وعلى المجتمعين أيضاً. تبنى الكثيرون الأفكار العدائية و العنيفة و تورطوا في دائرة العنف التي ليس لها أهداف. ظلت هذه الدائرة مستمرة حتى مجيء أبو مازن الذي نكن له كل الإحترام لإتخاذه   خطوات جريئة تعد الأهم من نوعها منذ عقود. قام أبو مازن بتنظيم الأجهزة الأمنية و وضع حداً لظاهرة الجماعات المسلحة لأنها ظاهرة غير حضارية. لقد كان أبو مازن جريئاً جداً عندما قال هذا في غزة و رفح. هذا يعني أنه رجل جدي و مخلص لشعبه.

    لو لم أكن يوم الإنتخابات خارج البلاد لإنتخبت أبا مازن.  لقد إنتخبه ثلاثة من أفراد عائلتي، البعض أنتخبوا غيره   و البعض الآخر و ضعوا بطاقة إقتراع بيضاء. الأغلبية إنتخبوا أبا مازن و أنا فخور بشعبي لأنه شعب حضاري و أفتخر بممارسته للديمقراطية.

ما برأيك هو أكبر اعتقاد خاطئ لدى العالم عن الصراع؟

   لا أستطيع أن أقول ما يعتقده العالم في هذا الوقت القصير. لكن بناءً على خبرتي و لقاءاتي مع أشخاص من أمريكا و الولايات المتحدة وجدت أنه لدى الكثيرين طريقة خاطئة في التعامل مع الصراع و خاصة عن طريق الخطابات التي يلقونها عن الصراع. أعتقد أن الخطأ هو أن الكثيرين يدعمون طرفاً ضد الأخر و هذا يحرض على إستمرار العنف الفلسطيني. هذا أكبر خطأ يرتكبه العالم في حق الصراع العربي الإسرائيلي. أنا أرى أن على العالم أن يشجع الطرفان الفلسطيني و الإسرائيلي على الحوار و الجلوس سوية على طاولة المفاوضات. هذا سيكون مساهمة إيجابية للصراع.

    إذا أراد العالم دعم الفلسطينيين فعليهم أن يقنعونهم أن أفضل طريق للخروج من دوامة العنف الموجودة في المنطقة هي العودة للحوار مع الإسرائيليين. العالم يجب أن يشجع الطرفين على التعاون. لقد عانى الطرفان   من الآخرين كثيراً في الماضي و ها هم يعانون من بعضهم حالياً. الأغلبية في العالم ينظرون إلى المنطقة و كأنها على كوكب آخر. و عندما يشاهدون التقارير الإخبارية عن الصراع يقولون أننا شعبان لا نريد أن تعلم من أخطائنا و لا من أخطاء غيرنا. بالنسبة لهم الصراع حلقة مستمرة. و الكثيرون منهم غير مبال بما يجري هنا، أما المبالون فهم إما معنا أو ضدنا ولا يدعمون السلام و لا المحبة ولا الإتفاق بين الشعبين.

ما هي توقعاتك للعشر سنوات القادمة؟

    ثمة فرق بين ما أتوقع و بين أحلامي و آمالي للعشر سنوات القادمة. أتمنى أن أرى بعد عشر سنوات إتحاد كنفدرالي بين إسرائيل و فلسطين وممكن الأردن. وأن يتم حل مشكلة اللاجئين في هذا الإتحاد الثلاثي. و أن يتنقل كل من الفلسطينيين و الإسرائيليين و الأردنيين بحرية و أمان. و أن تزدهر هذه الدولة الكنفدرالية إقتصادياً و تفتح أبوابها أمام السياح المسلمين و المسيحيين و اليهود من كل أنحاء العالم. أتمنى أيضاً أن يكون "لبذور السلام" دور في تحقيق هذا الحلم. هذا سيكون لنا و لأي منظمة تعمل في هذا المجال أكثر أهمية من مليون جائزة نوبل للسلام لأنها هذه هي الجائزة الحقيقية التي سنستمتع بها جميعاً.

ما هي توقعاتك بناءً على الوضع الحالي؟

أتوقع بناءً على الوضع الحالي أن يحدث ذلك بعد عشر سنوات. فأنا بطبيعتي متفائل جداً.

ماذا تعني لك كلمة السلام؟

السلام يعني لي علاقات قائمة على المحبة و الإحترام المتبادل بين الناس. السلام هو أن يستطيع الناس أن يسافروا و يناموا في أي مكان أرادوه دون خوف،السلام هو أن يشعر المولود منذ لحظة ولادته بالأمان و أن يحصّل تعليمه و يحقق أحلامه.   إضافة إلى ذلك، السلام هو حصول الفرد على حقوقه كإنسان و كمواطن في بلده دون أن يجرده أحد هذه الحقوق. السلام أيضاً هو أن لا ينظر الناس إلى بعضهم البعض بعين الحسد بل بالتآخي و المحبة. و السلام هو أن يستطيع الفرد أن يعمل و يوفر لقمة العيش لأطفاله. كذلك السلام هو أن تكون كل البيوت مفتوحة للجميع. أنا أصف السلام لأننا لا نعرفه لكن أتمنى أن نحققه و نستمتع به. إن أكثر من يستمتع بالسلام هم الذين لا يعرفونه أما الذين يعيشونه فهم لا يستمتعون به. أتمنى لكل طفل يولد في المستقبل أن يشعربه و أن يعيش كبار السن وقتاً أطول حتى يتسنى لهم أيضاً أن يشعروا به.

كيف ممكن أن نصل لهذا المستوى من السلام؟

  بداية يجب أن يكون هناك إستعداد للتنازل عن أحلام كبيرة من أجل تحقيق حلم أكبر. الحلم الكبير الذي يجب أن نتنازل عنه هو خاص بشعب واحد أما الحلم الأكبر هو لكل الشعوب. هذا يتطلب منا إستعداد للتسامح و الثقة. التسامح يولد الثقة تلقائياً و التعامل إذا كان مبني على الإحترام يولد الثقة. و الأمل مهم جداً و فقدانه صعب جداً.  كل طرف يجب أن يكون لديه أمل بالطرف الآخر و أمل بنفسه. علينا أن نأمل ببعضنا لأننا لا نعيش لوحدنا.

  يجب أن يكون لدينا إستعداد للتعايش و بناء المنطقة من جديد ليعيش فيها الكل بعيداً عن العنف. من المهم أن يستخدم الناس المنطق في تصرفاتهم كما يفعل أبو مازن. إن تفهم الناس بوعي لما يقوله أبو مازن يجعل طريق السلام أقصر. و كذلك فإن مجيء قائد إسرائيلي بنفس هذا المستوى من التفكير الإنساني سيجعل الطريق أقصر بكثير.

هل الخوف برأيك يلعب دوراً في لصراع؟

   بالطبع يلعب الخوف دوراً في الصراع. الخوف ناتج عن عدم الثقة، التجارب الماضية ولدت عند الناس مشاعر من عدم الثقة بالطرف الآخر و هذا يخلق الخوف. غموض المستقبل و عدم وضوحه يولد الخوف كذلك. إذاً الخوف موجود ويلعب دوراً في لصراع. الثقة هي العلاج للخوف.   إذا سامح أحد الطرفين الطرف الآخر، فالطرف الآخر سيسامح بدوره.   ثمة نور دائم لدى كل طرف و علينا أن نبحث عن هذا النور في كل من الطرفين؛ الإسرائيلي و الفلسطيني. هذا النور الذي يمثل الخير لا بد له و أن يظهر وإذا إنتشر سيصل لقلوب كل الناس و يطرد الخوف.

ما الدور الذي يلعبه الدين في الصراع؟

   إذا تم إستغلال الدين  بطريقة خاطئة من أجل الإنتقام يمكن لأي دين أن يكون له الدور السلبي. لذلك فأن دور رجال الدين من الديانات الثلاث أن يركزوا على جوانب التسامح في ديانيتهم بإتجاه الديانات الأخرى.

هل كان بإمكانك لقاء أشخاص و زيارة أماكن لو لم تكن تعمل في هذا المجال؟

   بالطبع. إلتقيت بالكثير من الأشخاص الذين لم يكن بإستطاعتي لقاءهم لولا عملي. وذلك من سوء الحظ؛ أقول أنه من سوء الحظ لأنني إلتقيت بهؤلاء الناس فقط من خلال عملي "ببذور السلام" ولايعمل كل الناس "ببذور السلام" لذا ليس لهم الفرصة للقاء هؤلاء الأشخاص. لقد كان من حسن حظي أن التقي هؤلاء الناس من خلال عملي. لو كان لكل الناس علاقات بالمنظمات و المؤسسات التي تعقد لقاءات مشتركة بين الناس في المنطقة، و كانت لهم الفرصة للمشاركة بنشاطات "بذور السلام" لتوفرت لهم الفرصة للقاء هؤلاء الناس.

    كنت محظوظاً أن ألتقي بالكثير من الناس و أتعرف على جوانبهم الإنسانية. زرت الكثير منهم في البيوت الإسرائيلية و تعرفت عليهم داخل بيوتهم. زرت بيوتاً إسرائيلية في نهاريا، و إيلات، و عسقلان، و في الكيبوتسات كذلك. و تعرفت على   عاداتهم ليس الإجتماعية فحسب بل على عادات اليهود الشرقين و الغربين و تعرفت على الديانة اليهودية أيضاً. و كنت محظوظاً ان أتعرف أكثر على مجتمعي الفلسطيني من خلال عملي. زرت العديد من العائلات الفلسطينية في طولكرم، و جنين، و نابلس، و القدس، و المخيمات الفلسطينية. لولا عملي لما إستطعت أن ألتقي بهم و أتعرف عليهم و على معاناتهم و تفكيرهم و أحلامهم.

    إلتقيت بعائلات من الأردن، و مصر، و قبرص، و البوسنة، والهرسك.  هذا أهم شيء؛ لأني لو لم أكن أعمل هنا لما تعرفت على القاسم المشترك بين كل هذه العائلات. إكتشفت أن تصرفاتهم متشابهة و أنهم متشابهين في النواحي الأخلاقية و الإجتماعية إلى حدّ كبير. و زرت عائلات في   البوسنة، والهرسك، و صربيا، و مقدونيا، و كرواتيا، و قبرص, و أمريكا، و الأردن،و إسرائيل، و فلسطين  و بلاد أخرى. ووجدت أن كل العائلات متشابهة، و تطلعات الأهل لأطفاهم واحدة، كلهم يريدون الخروج مع أطفالهم و المرح معهم و يحلمون بإرسالهم إلى الجامعات. العائلات الأمريكية ، و الفلسطينية، و الأوروبية، و الإسرائيلية يتحدثون عن الأمور الصحية بشكل مشابه. تعرفت على كل هذا من خلال تجربتي الشخصية   الأمر الذي زاد توجهاتي عمقاً.

ما أهم العبر و الدروس التي إكتسبتها من عملك؟

   أهم عبرة تعلمتها من هذا العمل هي أن هناك طاقات جبارة تكمن في الشباب من سن 15-16 سنة، و لكنها مهدورة و لا يتم إستغلالها بشكل إيجابي. المجتمعات الإسرائيلية و الفلسطينية مجتمعات شابة لكن طاقاتها مهدورة. و يمكن توظيف هذه الطاقات في التنمية الإقتصادية في المنطقة مستقبلاً.

هل هناك ما تود إضافته؟

   أود الحديث عن تطلعاتي للشعب الفلسطيني في المستقبل. أحب أن أرى شعبي يُغني الحضارة العالمية بالمزيد من العلماء و المفكرين. و أن تتوفر له المؤسسات التعليمية كالروضات و المدارس النموذجية و الجامعات. و أود كذلك أن أرى المرافق الصحية متطورة و متوفرة للجميع. و أن تكون الشوارع معبدة و منظمة. أرغب أن أرى الناس تحترم النظام و القانون، و أن أرى   إحترام الناس لبعضهم البعض وللشعوب الأخرى.

   إن الشعب الفلسطيني يعاني جداً و بالرغم من ذلك فإنه ينجب الكثير من العلماء و المفكرين، فما بالك لو كان الوضع أفضل؟ أتمنى من العالم أن يوفر لشعبنا الفرصة لإنجاب هؤلاء العلماء و أن يوفر لهم التربة الخصبة لنمو البذور العلمية الشابة؛ أي الشباب الفلسطيني. عندها سينتفع كل العالم من ذلك، حتى لو كان لدى العالم العديد من العلماء من شعوب أخرى إلا أنه يخسر جانباً مهماً  بسبب الصراع سواء من الشعب الفلسطيني أو من الأطراف الأخرى المتورطة بالصراع. و يمكن للإسرائيليين أيضاً أن ينجبون أشخاصاً يعكسون الجانب الإنساني للمجتمع الإسرائيلي. إن تحقيق السلام و الأمن في هذه المنطقة هو مصلحة عالمية.



النهاية